11787349_10153202651159748_735457774_n

أشكال ألوان| خالد تاجا الذي أعرفه

جمعتني بالراحل خالد تاجا علاقة بدأت في طفولتي وانتهت برحيله عنا بعد أن تعاونا معًا في عملين تلفزيونيين: زمن الخوف، وأبو خليل القباني.

تعود الذكرى الأولى المرتبطة بخالد تاجا إلى طفولتي، حيث كان يمتلك سيارة أمريكية عريضة، وكنا أنا وأخي سعد قد طلبنا من أبي أن يشتري لنا من بيروت دراجات هوائية جبلية بعد أن انتشرت هذه الدراجات في حارتنا، لن أستطيع أن أنسى تلك اللحظة التي نزل فيها خالد تاجا من سيارته ليساعد أبي في إنزال الدراجات التي لم تتسع لإحضارها أي سيارة أخرى، ففي الوقت الذي تجمع فيه أولاد الحارة لمشاهدة البسكليتات الجديدة اللامعة بالأحمر والأزرق اجتمع كبار الحارة لمشاهدة خالد تاجا.

مرت السنين، كبرت، وعملت مساعدة مخرج ومخرجًا منفذًا مع والدي في عدد من الأعمال، وكانت مشاركة تاجا في أي منها تدخل في قلبنا المسرة، فقد كان يبث جوًا من المرح في التصوير ولكنه في الوقت نفسه كان ملتزمًا جدًا بعمله ويحبه إلى حد الجنون.

عندما بدأت مسيرتي في الإخراج بمسلسل زمن الخوف الذي كتبه خالد خليفة، كانت هناك شخصية مؤلفة من تسعة مشاهد تتحدث عن مسؤول ميناء وتاجر كبير كان اسمه جميل ولكن الرقابة طلبت تغيير الاسم فتحول اسمه إلى الشيخ قدري ورجحنا حينها أنهم قلقوا من أن يفهم أن المقصود هو جميل الأسد، وحينما قمنا بإرسال الدور إلى خالد تاجا كنت أتوقع ألا يقبل بأدائه لأن الدور كان صغيرًا جدًا، ولكن مشهدًا واحدًا كتبه خالد خليفة باقتدار جعل خالد تاجا يقبل بالدور ويتحمس لأدائه، إذ يغضب الشيخ قدري على أحد رجاله وعندما يأتي الرجل للاعتذار أمام كل التجار الكبار في وليمة عشاء يوافق الشيخ قدري على مسامحته إن هو قبل حذاءه أمام كل الحاضرين، وقد قامت رقابة التلفزيون السوري بحذف المشهد لاحقًا عند عرض المسلسل.

عندما أسندت إلي شركة ريل فيلمز في العام 2010 إخراج مسلسل أبي خليل القباني كانت شخصية الشيخ سليم من نصيب تاجا، وكان دورًا كبيرًا جدًا، وكان خالد تاجا في تلك المرحلة في وضع صحي صعب، إذ  رغم تراجع رئتيه كان يصر على التدخين بلا توقف. بدأنا تصوير المسلسل ووجدت نفسي لأول مرة استكشف عالم هذا النجم الكبير وأكتشف سر مقاومته للمرض والتعب، إنه هوس لا ينتهي بالتمثيل، مع روح طفل لا ترغب بأن تكبر، كان جسده الكبير سنًا ترافقه روح تجريب ومغامرة، وحرارة والتزام لا يفوقهما إلا قلقه الدائم على أدائه، وكان يدهشني بأن يلتفت إلي بعد كل لقطة يصورها بعين قلقة ويسأل: منيحة؟ ولا عيدها؟

بعد عرض أبي خليل بعام واحد، اندلعت الثورة، وتمت الدعوة إلى مظاهرة المثقفين في الميدان، في 13-7-2011، وقد كنت قلقة مما سيجري من اعتقالات وجلست انتظر الأخبار كي نكتب وننشر حالما يصلنا خبر، وكان وقع الخبر علي كالصاعقة عندما اتصل أحد الأصدقاء من الميدان وقال لي لقد اعتقلوا خالد تاجا. اتصلت به فورًا، رد بصوت غريب على مزاجه العالي المعتاد، سألت: خير أستاذ؟ شو القصة؟ أنت وين؟ قال: القصة بسيطة وقد انتهت، شربت فنجان قهوة وأنا عائد إلى البيت. لأعرف بعد ذلك من أقربائه أن الضابط الذي استدعاه وحاضر به عن المؤامرة والوطنية، استدعى بهدف تهديده متظاهرًا شابًا وضربه على مرأى تاجا، وأنا متأكدة أن هذه الحادثة قد مزقت روحه الحساسة ولذا كان صوته حزينًا ومنكسرًا حينما طمأنني على سلامته.

بعد عدة أشهر، دخل إلى مشفى الشامي وسمعت ممن زاروه أن حالته الصحية في تدهور مستمر ولم أقو حينها على زياته لأنني خشيت أن تكون آخر صوره في ذهني صورته تلك وهو ممدد وموصول بالأجهزة الكهربائية التي تساعده على التنفس.

في الرابع من نيسان عام 2012 غادرنا خالد تاجا، ورغم أن الخبر لم يكن صادمًا إلا أن مرارته وألمه كانتا شديدتين على روحي. ترتبت الجنازة، بأن يخرج الجثمان من مشفى الشامي، ثم يصلى عليه في المزة، قرب منزل أمه التي أحب، والتي رحلت أثناء تصوير مسلسل أبي خليل، ومن ثم ينقل إلى القبر الذي اشتراه وجهزه بنفسه منذ سنوات.

أعلنت تنسيقية المزة في حينه عن وفاة تاجا، ودعت إلى المشاركة في الجنازة من خلال مظاهرة أمام الجامع، وكانت هذه الدعوة سببًا لتغيب عدد كبير من الفنانين بحجة التصوير عن الجنازة، وكانت أيضًا سببًا لتواجد عدد كبير من باصات الأمن والشبيحة على باب المسجد أثناء الصلاة على الجثمان، وانتشارهم بسلاحهم بيننا للتأكد أننا لا نتكلم عن الراحل إلا فنيًا.

صحيح أن قوات الأمن لم تقتل خالد تاجا تحت التعذيب كما شاع لاحقًا، إلا أنها ارتكبت جريمة كبرى بحرمانه من الجنازة التي يستحق، إذ كنت أتوقع أن الشام كلها ستسير في الجنازة لوداع ابنها البار، النجم الذي لن يتكرر خالد تاجا.

لم أفقد الأمل بأن نقدم لخالد تاجا الوداع والتكريم الذي يستحق. ففي سوريا الحرة، التي آمن بها تاجا، سنخرج كلنا لزيارة قبره وسنكرمه كما كنا نحلم بعد رحيل كل طغيان عن بلادنا .

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*