القصير

كان اسمُها … القصير

كان اسمها «القصير»… ولم تعد «القصير» إلا في هذا القلب.

لم يعد في القصير أبنية طابقية. قد تجد غرفة سالمة أو شقة تصدع فيها أكثر من جدار. نُهبتْ كلها، سُرق أثاثنا الباذخ، كنا نشتريه على الكتالوغ من لبنان… كل مبانينا البهية صارت ركاماً، وصرنا نازحين في شتات الأرض. أنا بنت القصير صرتُ هنا في الجنوب السوري، في مدينةٍ لم أكن أعرف عنها أكثر من اسمها، أتأمل فيها زحف الأبنية من الأرض إلى السماء، تصاميمها المبتكرة، ألوانها، زيناتها… لكنها أبداً ليست أجمل من تلك التي كانت في القصير وصارت تلال إسمنت مفرفط… هناك، كانت البيوت أجمل، كانت أحنّ… كان لأهلي ستة عمارات بطبقاتٍ كثيرة. كلها راحت. كان لديهم 500 دونماً مشجّراً بكل صنوف الفاكهة، وأبي يربّيها كما يربّينا. أمي وأبي المسنان كانا آخر من خرج من القصير. قضيا شهوراً في الملاجئ، عاندانا كثيرا لأنهما لا يريدان النزوح، رضخا لإلحاحنا أخيراً بعد أن اختلّت عقولنا رعباً عليهما، خرجا في شاحنةٍ صغيرة.

كانت لأبي أمنية أخيرة أن يتفرج، يلقي نظرة وداعٍ على أشجاره الحبيبة، وبأم عينه رأى الجند يعملون فيها تقطيعاً بمنشارٍ كهربائي موصول إلى مولدة ضخمة. كانوا يقطعون أشجار أبي بحماس، وانجلط أبي على الطريق. وقع صاروخ أرض ــ أرض على بيت أخي، وشطر ابنتيه الوحيدتين، وانعقد لسانه وأصيب ولم يمت. نقلوه إلى لبنان ليكمل ما بقي له من حياة هناك مع شلله الرباعيّ، وصممٍ في أذنيه، هدية الصاروخ أرض ــ أرض إلى أخي. قاتل أخي الثاني حتى آخر نفس قبل أن يستسلم العقل فيه لا الجسد. غافلهم في الليل وكتب على أبواب محلاته السبعة في وسط السوق، كتب: خذوها يا أولاد ال… هي، وغيرها فدى الثورة. لم يكن أهل زوجي موسرين كما أهلي.. تريثنا في الخروج قبل حصار القصير لأن زوجي موظف في مدينة حمص. نحتاج راتبه الوظيفيّ كي نعيش، ونموت رعباً كل يومٍ قبل أن يعود إلى البيت. كان الطريق بين القصير وحمص مزروعاً بالحواجز. في أول الأمر كانوا يوقفون أسماءً بعينها لأنها مطلوبة، ثم بدأوا يعتقلون كلّ من يحمل اسم عائلةٍ معينة، لأن واحداً من أقاربه مطلوب. ثم لو يعودوا يكتفون. صاروا يأخذون الهويات إلى التفييش على الحاجز الرئيسي، ثم يعيدون الهويات «الأقلوية» إلى أصحابها ويطلبون من الباقي أن ينزلوا من الباص.. يشتمون النساء فقط لأنهن «سنّة»، ويضربون الرجال لأنهم سنّة. أوقفوا زوجي مرتين على الحاجز. ضربوه ثم اعتذروا منه «لا تؤاخذنا؛ تشابه اسماء بينك وبين إرهابيين». هشلنا بسبب تشابه الأسماء. كان آخر ما يرجوه زوجي أن يغامر بترك وظيفته، لكنه فعل. كل أهله صاروا هنا رغم أنهم لم يكونوا في صفّ الثورة. خلال شهر وصلنا خبر فصل زوجي «غيابياً» من وظيفته. مضت سنتان على نزوحنا، تنقّلنا خلالهما بين عشرة بيوت. وفي كل بيتٍ يسألني ابني ذو السنوات الخمس: ماما نحنا وين بيتنا؟ ابني لا يقصد بيت القصير، ولا أعتقد أنه يتذكره. يريد سقفاً ثابتاً واحداً لا سقوفاً عشرةً عابرة. سؤاله يوقظ فيّ كلّ ما أهرب منه ويجرحني أكثر من كل خساراتنا، فأنا؛ لا أنظر الآن إلى الوراء، ولا تجرحني الآن سوى التفاصيل الصغيرة، كأن أفترض مثلاً أنني هنا في زيارةٍ لصديقةٍ أحبها وأسعد بصحبتها، أو قريبةٍ أو جارة، وفي غمرة فرحي بصحبتها، وبعد أن تمضي ساعتان أو أكثر، حتما سأشتاق إلى أن أعود إلى بيتي! هذا هو حالي. لا يؤلمني الآن أكثر من الشوق لبيتي…

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*