maxresdefault

إعداد درامي

«حبيبتي، أنا أكتر من مرة قلتلك إنو أنتي إزا كان ولا بد إنك تروحي لعندو، خبريني بالأول.. مو هيك؟»، ثم تتحول كل تفاصيل حياتك إلى لفٍ ودوران، كي تستطيع أن تُوصِل المعنى الذي تريده.

هذا حال من يعمل في الاعداد الدرامي, الموضة التي درجت في سوريا منذ مسلسل «سنوات الضياع»، الذي كان قبل سنوات ضياعنا السوري, وفي الحالتين, لعنة الله على «لورا أبو أسعد».

يبتسم لك المدير في الشركة لأنه يحمل لك الخبر الفاجعة، «والله يا أبو حميد عندك عمل إيراني», تبتسمُ كمن لا حول له وأنت تُخبِّئُ كفرك في صدرك, التجربة الإيرانية قاسيةٌ ولا تُقَارَن مع التجربة التركية ولا الروسية ولا حتى الصينية، ولا كافة الأوغاد الذين اضطررنا أن نتعامل معهم سابقاً أو حاضراً أو لاحقاً, فالمسلسلُ الإيراني الذي ستحوِّله إلى لهجة سورية يختلف عن المسلسل السوري الذي أصبح يتحول إلى لهجة إيرانية, هم محظوظون أمَّا أنا فلا.

باختصار، سوف تحتاج إلى علبة بروزاك، وإلى دعوات أمّك ودعم الأصدقاء ومشاهدة عشر دقائق لفيلم خلاعي بعد العمل على مشهدٍ واحد من مسلسل إيراني، لأنه سيقتل فيك حتى الشهوة الجنسية. ثم ما يلبث أن يلاحظ الأصدقاء تغيراً سمجاً طارئاً على سلوكك وينفضّوا عنك, وسيضيق صدر حبيبتك بك، وقد تضطر للانفصال عنها إلى أن تستلم عملاً أميركياً, أو تركياً في أحسن الأحوال, فللعملِ الإيراني قدرةٌ على التغلغل في نخاعك الشوكي، والتغيير في جغرافيا تلافيفِ دماغك.

سيُدهِشكَ دائماً كيف أن أحد الممثلين يجيب على أسئلةٍ حتى قبل أن يسمع السؤال, وستكتشف في نهاية العمل الإيراني أنك عملت عن عشرةِ مسلسلات تركية, فالمسلسلُ الإيراني لا يعتمد على حواراتٍ متبادلة، بل يصح القول إن المسلسل الإيراني يُكتَب سيناريو وهتافات, فالجميع يتحدث دفعةً واحدة، ويقاطعون دفعةً واحدة، ويضحكون دفعةً واحدة، وكلُّ ذلك يجب أن يُجسَدَ بلهجةٍ سورية لا تحتمل كل هذا الضيق في الرؤية الإخراجية.

كلّ من عمل في مهنة الإعداد الدرامي اعتقدَ أنه سيمتلك ثمن سيارةٍ بعد أقل من ستة أشهر في العمل, ثم ما لبثَ أن اكتشف أنه لم يستطع أن يشتري بنطالاً, فقد تحولت هذه المهنة في سوريا المكتظة بالعاطلين عن العمل إلى «شغلة اللي مالو شغلة»، وأصبحت في فترات متطورة مافيات بطاطا. ورويداً رويداً ستكتشف أن أغلب الدائرة المقربة منك، تعمل في المهنة نفسها من دون أي قصد, إلى الحدِّ الذي ستجد نفسك فيه مجموعاً في مكانٍ واحد للعمل مع أصدقاء الدراسة مثلاً, أو أصدقاء السهر, وفي بعض الأحيان أصدقاء الطفولة. وهذا إن دلَّ على شيء، فهو بالتأكيد يدلُّ على فشل الجميع في تحقيق ما كان يصبو إليه، إلى أن رمته الأقدار أمام شاشة الكمبيوتر وهو يكرر الجمل التي لا تريد أن يتناسب طولها السوري، مع نظيرها الأجنبي.

أما استغراقكَ في شفاه الممثلين لكي تعلم ما هي الأحرف المناسبة لمطابقة مخارج الحروف، فهي قصةٌ أخرى! سيُفاجِئُك أن أغلب الممثلين الأتراك لا يُفَرشون أسنانهم, وأن الممثلات الإيرانيات لا ينتفن شواربهنّ, وقد تُضطَر إلى الدخول للحمام كل ربع ساعة وأنت تعمل على مسلسلٍ مكسيكي. وستصبح قضية الحرفين الزائدين اللذين يفضان بكارة روحك وأنت تكرر الجملة لكي تكتمل, ستصبح هذه القضية قضيةً حياتية, تتكلم مع صديقٍ أو صديقةٍ فتشعر أن آخر حركتين من الشفتين تحتاج إلى ملئٍ بالكلمات, وستُصابُ بمتلازمة الجُمَل الطويلة وأنت تشعر أنك لم تُبلِغ المعنى الذي تريد, ثم ما تلبث أن تطرأ كلماتٌ جديدةٌ على قاموسك لم تكن تستخدمها سابقاً، ولكنك ستقتنع أنك كنت تستخدمها سابقاً مثل «أنت منيح ؟. آسف منك, مو هيك؟ زعلتك أنا؟».

لقد استطاعت الأعمال الأجنبية التي تمت دبلجتها إلى لهجةٍ سورية أن تصل إلى كل الناس كالنار في الهشيم، ولكنها استطاعت بالقدر ذاته أن تطمس هوية الدراما السورية التي أصبحت سِمتُها رمضانية الطابع, لكنني لم أتخيل في يوم من الأيام أننا سنُنتهَك من قبل جميع هذه اللهجات على أرض الواقع الذي يطمس الهوية السورية يوماً بعد يوم, إلى الحدِّ الذي بتُّ أتساءل فيه, هل سيكون هناك شهرٌ سوريٌ بامتياز مرةً أخرى… أنتوا مناح؟

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*