التصفيق في مواجهة النيزك

قديماً كان التصفيق معيار نجاح العرض المسرحي أو عدمه، إذ لا صوت لناقدٍ يعلو على صوت الجمهور، وذلك منذ أقدم توثيق للظاهرة المسرحية زمن الإغريق، تحتوي على عناصر الدراما من فرجة ومتعة، على حساب الواجب الاجتماعي والديني الذي تراجع أمام تطور عناصر هذه الاحتفاليات، ليصل بنا إلى ما نعرفه اليوم من أشكال المسرح.

وهذا ما دفع المؤلفين في تلك الحقب إلى افتتاح مسرحياتهم أو اختتامها بمدح فطنة الجمهور وذكائه، لاستثارة تفاعله مع العرض. وقد دفعت الحاجة بالمؤلفين المسرحيين ثم المخرجين وأصحاب المسارح، إلى تشكيل ما بات يعرف باسم «جوقة المصفقين». وهم مجموعة من المشاهدين المرتزقة توكل لهم مهمة التصفيق الحار لدعم العرض المسرحي مقابل مبلغٍ معين من المال، ومما ساعد على تسهيل انتشار هذه الظاهرة أن المسرح كانت تؤمّه سائر طبقات المجتمع من السيد إلى العاهرة، ومن المهتمين بالمسرح حق اهتمام، إلى الباحثين عن مومسٍ تشاركهم الفراش.

ولأن التصفيق حسب دراسات سيكولوجية يشمل التعبير عن الفرح أو الدهشة أو الحزن وما إلى هنالك، فإن الأمر يتعدى كونه بيعاً لجهد عضلي وأصوات مجلجلة فقط، إلى نوعٍ من أنواع بيع المشاعر. وقد شهد القرن السابع عشر احتداماً لعمالة المشاعر هذه، حيث تم تنظيم تلك الجوقات بشكل فرق احترافية، إلى أن تم إلغائها بقرار رسمي عام 1902م في فرنسا، ليبدأ بعدها القائمون على المسرح باتخاذ خطوات احترازية بغية السيطرة على الجمهور، منها شكل المعمار المسرحي وتسعير تذكرة الدخول.

وبقي للتصفيق مجده وتداوله كمعيارٍ تُقاس به قيمة العروض في مسارح العالم حتى القرن التاسع عشر، حيث شهد المسرح ولأول مرة عملية إظلام الصالة في عرض أوبرالي لـ«فاجنر»، وقد قدّرت إدارة المسرح بأن الظلام سيساعد على تهدئة الجمهور.

وأذكر أنني في هذا العام وبعد مشاهدة أحد العروض المسرحية في دمشق في مسرح القباني، اجتاحتني نوبة سعادة كطفل تلمع عيناه بعد تحطيم لعبة قبيحة كانتقامٍ غريزي للجمال، إذ خرج الجمهور دون تصفيق، محوّلين الصالة إلى حلبة مجالدة بين وجه المخرج وتأففاتهم الجريئة المفترسة.

لكن جوقة المصفقين الهاربة من كتب التاريخ  لم تذهب بعيداً، ستجدونهم هناك، يطلقون على محفلهم أسم مجلس الشعب السوري. هذا المكان يشهد عملية مسرحةٍ مخيفة وشاملة ألغت الحدود بين الواقع والدراما، حتى بات الأمر كمن يعاني الروبسة أبداً.

مجنونٌ واحد يتحكم بكل شيء، حتى هو نفسه لا يفلت من قبضته، يشخصن شخصية الرئيس، ويمثل المصفقون شخصية النواب. ولا رقباء إلّاه، حتى من وزَّع عليهم دور الرقابة وقعوا في فخ الحبكة الدرامية، فجميع رموز النظام يسقطون في اغتيالات مريبة، إذ لا مهمة أَولى من التصفيق.

ويكتفي الطاغية بإلقاء منولوجه سرداً، بينما يتكفل آخرون بتجسيد الفعل الدرامي/الجريمة على امتداد مساحة البلاد، ورغم ذلك لا يشاركهم في البطولة، فلكلِّ أسلوبه في التصفيق. ليتسع الفضاء المسرحي أكثر فأكثر، وتتسع دوامة المسرحة والإيهام بالحقيقي إلى حدّ الاعتقاد بان هذا المدى الرحب من احتماليات الموت أصبح وطناً.

أيّ رعبٍ هذا؟!. أن يقتصر دور الممثل على سردٍ ممل عن قدراته مكتفياً بالنص بين يديه، تاركاً أمر الفرجة إلى ذاكرة جمعية تستحضر صور مجازره المتقنة البدائية. هكذا يتحول التصفيق إلى نزوع جمعي لتفعيل غريزة البقاء، كمواجهة نيزك مثلاً، خيبة أمل الطاغية.

لكن ماذا عن أولئك الذين خرجوا من المسرح دون تصفيق؟!.

 أولئك الذين يحطمون ألعاب الطاغية القبيحة كل يوم بصمتهم الجميل، وأيديهم التي تحزم الحقائب أو تحفر القبور، مُفضّلين موتاً حقيقياً على حياةٍ ممسرحة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*