تجاعيد الرمل

إلى عيسى الشيخ حسن.

حين جاءت المدينة، لم يكن جدي وجدتي قد عرفا من معنى الوطن غير حدود وتد الخيمة، وجارهما الذي لا يجب أن ينام جائعاً. كان الجبل حارس الخيمة، وكانت النار دليل التائه، وكان الحب يداهما اللتان تعرفان معنى العناق.

حدثتني أمي عن الحب فقالت: التمرة التي ليس لها أختٌ نتقاسمها شطراً شطراً، وحدثتني خالتي مريم عن النساء فقالت: شقيقات الرجال وبنات الجبل. يثقلُ همه فينزلقُ تحمله هي أغنيةً أغنية. سألتها ألهذا تبدو أهازيجنا حزينة؟ فقالت: نحن أهل الجبال وأبناء الصحراء وحنجرة الرمل الرطبة، كلما عطشنا شربنا بكاءنا، ولم نزل نعطش ولم يزل بكاؤنا يروينا.

كانت للسماء لعبتها لتعلم وتعلّم أجسادنا معنى الماء، شِخنا وما شخنا، ما زال جدكِ يفهم أن النساء أوطانُ الرجال، وما زالت جدتكِ تقرص أذن أمك وهي تفاخر بحكايا الصحراء.

جاءت المدينة وأكلت فيما أكلت بعضا من قلب البنى، الأخضرُ لم يكن كافياً لامرأة لبست كعبها العالي وراحت تُفاخر بقوامها الشامخ، فزحفت على السهل والجبل، لم تبقِ منّا شيئاً.

نادت فينا وقالت فيما قالت: الوطن ليس خيمتكم ولا حكاياتكم المعجونة بالسحر ولا حتى ريحكم التي تطير وتنزل بكم، ولكنّا بقينا على علمنا الأول.

حين سحبتنا إليها لم ننسَ منّا شيئاً، الوتد والرحى وطاجين الخبز وغنم جارنا، حملننا وحملناهم وبنينا لهم غرفاً تشبه غرف أولادنا، يجوعُ البدوي فيذهب لأشيائه يضمها ببتسامة الجائع.

الرحى التي حاربت جوعنا وقتلته كثيراً، قتلت وحوشاً أخرى غيره، نحن نساء البدو كلما شقَّ البكاء صدر قلوبنا غنينا، جدتي التي قرصت أذني أمي علّمتها أن النساء كاتمات الحزن،

وكي لا ينخر دوده خزائن قلوبنا، وكي لا يموت فينا معنى الماء، ثقبنا خناجرنا وحفرنا بالأخضرِ قلبَ العطش، (تطقّ) الرحى ويطقّ حزن البدويات أهزوجةً أهزوجة.

طقّات فردات الرحى ما زال في باله
لين الظّلام جلا ولين البيان درى
لين الرّحى راحت وتقطّعت طقّاتها
مولاتها ارتاحت وتنّت عليه جاراتها

غنت ، غنت ، غنت بدال تشكي*

ولأن المدينة امرأة عاهرة، فقد أعجبها أن تدوس بكعبها العالي على حنجرة الرمل وتُغيّير اتجاهات الريح، ترمي أكواب الشاي وتضع كؤوس الخمر. سكرنا حين علمنا أننا أعدادٌ زائدة في حصة الجغرافيا، وأننا في ذاكرة التاريخ قبورٌ بلا شاهدة، وأننا أبناء عاقّون في قلب الوطن.

كلما هممنا بالحديث عن  الخيمة التي غرقت بلا مطر، وعن العراء وتجاعيد الرمل، اتُهمنا بأننا خائنون، وكنا لا نعرف غير أننا عشاقٌ لم نتعلم غير الغناء للوطن الذي راح يتقاسمه أبناء المدينة الجدد، وصار الوتد نكتة سخيفة يتبادلونها وهم يقهقهون بأصوات عالية.

قافلةُ الصحراء شقت البحر، الناقة التي تعلمت زمناً معنى احتباس الماء عامت فوقه لتتعلم فيما تعلمت معنى الملح، وصار للوطن تجاعيد أخرى غير تجاعيد الرمل.
أبناء المدينة الجدد لم يشبعهم خبزنا القديم، فقرروا أن يتذوقوا خبزنا الجديد، في بكائنا الأخير نَسيَت الرحى كيف تدور، أو نسينا نحن الغناء، جُعنا فذهبنا بعيداً، وما زلنا ذاهبين نلهثُ وراء الخيمة والوتد وجارنا الجائع وأشياء أخرى تشبه الماء.

___________________________________________________________

* موال مولاة الرحي من التراث الشعبي الجنوبي متداول بين الجنوب التونسي والليبي.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*