ترانيم الحرب

تحت قصر تشرين الرئاسي يقع حيٌ صغيرٌ أول طريق الربوة، لا يحتك العامة فيه، لكنهم يشمّون رائحة المشاوي، ويرون مشتلاً صغيراً للمزروعات أثناء عبورهم للوصول إلى إشارة المرور المزدحمة قبل مستشفى المواساة، المواساة! يا له من اسمٍ لمستشفى!

هناك وفي الازدحام المروري الكثيف الذي ضاق مع حرارة الطقس المرتفعة، وليس نتيجة وجود حاجزٍ للأمن، تجلسُ فتاةٌ في المقعد الأخير للباص الأخضر «باص النقل الداخلي» الطويل، الذي  يفيض بالوجوه من كل الجوانب كباخرة لاجئين، في زاويته ومن الشباك يطلّ وجه ويدا فتاةٍ تضع طلاءً لأظافر أناملها الناعمة، طلاءً زهرياً فاقعاً في الثانية ظهراً تقريباً وسط هذا الازدحام الممل.

هكذا هي الحرب هنا، تفصيلٌ يومي بمثابة طلاء الأظافر، تفصيلٌ صغيرٌ وتافه، لكن لابد منه!
كان ذلك في صيف عام 2013 حيث تطرح الحياة نفسها بدون تكلّف، إنما اليوم وبعد مرور سنتين، تصبح الحرب عاديةً بشكل مخيف, أقفُ على شرفتي وسط العاصمة لأتبع مصدر الصيحات، وإذا بخمسة أطفال يحملون أعلام نادي برشلونة الاسباني ويتقدمهم طفل بقميص ميسي يصيح: «حاربوهم هاجموهم دمروهم» ليرد البقية «يا علي»!
لم يكن الأطفال يقصدون ترنيم جملتهم التشجيعية هذه بلحن ديني، لكنها أحد ترانيم الحرب،
هناك حرب لكن كل من في المدينة يتابع نهائي أبطال أوروبا لكرة القدم.
«نعم حياة الحرب عادية في دمشق»، أقول لصديقتي المهاجرة، المدينة تتمتع بمزاج امرأة في الأربعين من العمر أدركت أن زواجها كان أسوأ ما فعلته منذ أربعين عاماً، اكتشفت تلك الحقيقة أثناء شرودها بغسيل الأطباق والأواني، حيث صوت الحرب القريبة في الريف أشبه بقرقعة أدوات المطبخ في دمشق.

الحرب ليست في المدينة، الحرب في الريف، أما في المدينة فهناك حربٌ من نوعٍ آخر، حربُ التآلفِ مع الأشياء. يألفُ الناس هنا كل شيء، كأن ننظر إلى ما يحدث ونقول: حسناً، ببلاهة وبدون ردة فعل- أعتقد أن ليس هناك قدرة على رد الفعل أصلاً- ونردد بشكلٍ جماعي كجوقة مقيتة ترنيمةَ الحرب في المدينة: «الله يفرّج أحسن شي.. ألله يفرج أحسن شي.. ألله يفرّج أحسن شي …..الخ».
في دمشق الصباح ميت، وفي الريف لا يوجد متسع لتسمية الزمن، وفي بيروت الصباح يأتي قديماً من الذاكرة البعيدة، كبقعة زيت متفشيّةٍ على ورقة. وأيضاً حياة الحرب عاديّة هنا في بيروت، لم تنته الحرب بعد، لا يزال الأموات يدقّون بأخمص قبضاتهم أسفل الأرض لتهتز من تحتنا فنشعر بتوترٍ مريب يألفه الجميع، توترٍ قادرٍ على أن يعيد الحرب إثر حادث لم يحدث بين سائقين شرد أحدهما وكاد أن يرتطم بالآخر، ويغنيان ترنيمة الحرب في بيروت، وهي جملة من الشتائم تمتد لربع ساعة على الأقل.
لكن هناك رجلاً في السبعين على ما يبدو، أراه من نافذة بيته يفرد أوراق اللعب باحثاً عن حظ جيد، رأيته وتذكّرت الفتاة التي تضع طلاء الأظافر في الباص، وأدركتُ أنني لم أستطع التآلف مع حياة الحرب العادية أو الحياة العادية في الحرب.

«إنني فقط أبحث عن حياة عاديّة بلا حرب»، قلت لصديقتي، عن حياةٍ لا يحفظ فيها الأطفال من ترانيم الحرب سوى واحدةٍ فقط: «خمسة عشر رجلاً ماتوا من أجل صندوق».

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*