29765_1

دومينو وكاندي كراش!

جربتُ ووجدتُ

إن المتعة لا تكمن في ترتيب أحجار الدومينو تباعًا ودفع الحجرة الأخيرة لمشاهدة السلسلة تتدافع حتى رمقها الأخير، المتعة تكمن في عشوائية الأحجار والتفكير في حركة واحدة تُوقع بأكبر عدد منها ومتابعة سحلها إلى فوهة التدمير بانتظام.

لاحظتُ أيضًا بأنّ الطائرة التي كانت تحوم حول منطقة الفيض في حلب كانت تبحث عن المكان الأمثل لرمي البرميل المتفجر، يحكُّ الطيار ذقنه ويتساءل: «أين هو البيت الذي سيفك مفاصل الحي بأكمله؟!»

يستمر في الدوران  للمرة الرابعة فوق المكان، وتعتقد بأنه يشاور ضميره، ولكنك مخطئ، لو كان الموضوع مشاورة لما حلق فوق المكان أكثر من مرة.

والقناص الذي اختبأ في قنّ الحمام كان يبحث على الطلقة التي ستقتل أربعة أشخاص مرة واحدة، ويذبح أهليهم حزنًا وأصدقاءهم ذُهلًا، أما اليتامى فلا يصطادهم القناصون، فليس هناك أهل يبكونهم، وبطريقة ما، كان يعرف القناص الضحايا ويتحسس  قبلات الأصحاب والأهل على وجوههم وإبتساماتهم. اليتامى لا يأخذهم الموت إنما يزورهم، يغطيهم ويذهب بعد أن يغلق النافذة كي لا يصيبهم البرد.

أما القائد الذي كان يحتفظ بحق الرد، فقد كان يُفكر في ميعاد رده الذي سيوقع الجميع على قفاهم من الضحك عشوائيًا وبانتظام. وإلا لما احتفظ به لهذه الفترة الطويلة، لابدّ وأنه أحس بأنه مهم لشيءٍ ما، يومًا ما.

لا يفتح حق الرد العلب المعدنية ولا تستطيع استخدامه كعلاقة مفاتيح هذا مؤكد، لا بد وأن العائلة “الحافظة” لحق الردّ جربت أن تفعل به الكثير، وعندما فشلت اكتفت بميزته الوحيدة، ألا وهي إسقاط الضحايا على قفاهم دفعة واحدة، إنها حركة لطيفة ودراماتيكية بالتأكيد.

التدمير العشوائي المنتظم أذكى بكثير من تدمير الأنساق والترتيبات، وعليه، فإن «Ctrl+A» يتبعه «del» هو فعل معيب بحق فاعله، أما البحث عن الملف الذي سيُدمر المنظومة كلها فهو عين الذكاء وحنجرته.

وأمام كل هذا، هناك أنت، الذي تعتقد بأن التدمير عشوائي ولا تنظر إلى اللوحة الكبيرة لترى بأنه تدمير عشوائي منتظم، لا تدرك بأن مكمن اللعبة الحقيقي يقع في تلك الحركة الواحدة التي ستحدث دوامة من الإسقاطات والتساقطات.

تخيّل معي عشوائيا ولكن بانتظام:

طلقة هناك تُحدث جثة في قبو ما هنا، ثم هجوم على دائرة الهجرة والجوازات في مدينة أولى يحرق هويات الخلق كلهم، ثم جسر مكسور في مدينة ثانية يكسر ظهر الخلق  كلهم، لا يعبر النهر أحد من دون هوية، ولا بد ستحدث  ذبحة في قلب أحدهم على الطرف الآخر دون جسرٍ للوصول إلى المذبوح. وبعيدًا جدًا، ثمة طفل يولد في المخيم من دون هوية أوجسر أو حقّ ردّ، لأنه بات عادة قديمة،  اللوحة الكبرى الآن، تقوم على مدينة محررة هنا وأعلام سوداء ترفرف هناك لتجلب طائرات روسية فوق «الهنا» و«الهناك».

عنما تنتهي التداعيات يصرخ أحدهم: خمسة وستون بالمئة من البلد مُدمّر، برافو!

إذا كانت الحياة هي ترتيب أحجار الدومينو والمكافحة لجعل السلسلة تطول وتمتد، فإن الموت هو كاندي كراش الـ يضرب في مكان ما فيتداعى خلفه ألف مكان ومكان دون سابق إنذار أوتحذير.

إحدى التداعيات المحسوبة بدقة والتي لم أنتبه إليها وأنا أهرب من الحرب من بلد إلى آخر، بأنني وجدت الحرب أمامي، سبقتني ووضعت كل جرحاها ومصابيها وثكلاها أمامي، لأنظر إلى الحديد المحفور في لحم فخذ أحدهم فأرى وجه قاتلنا الذي يسجل على ورقة صغيرة كم من الدمار العشوائي المنتظم حقق  بحركة واحدة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*