فلسطين … بلادُ الصّراخِ والشعر

يعودُ المشهدُ إلى البدايات، البداياتُ التي لم تحظَ بخواتيمَ منذُ أن عادى الأوروبيون السامية، منذُ أن أُخِذت فلسطينُ ثمنًا باهظًا للإجرامِ النازيّ، عنوةً وعلى مرآى الجميع. منذُ تلكَ اللحظة ولا ختامَ للمشهد، ولا قفلة محكمةً للحكاية.

إنها فلسطين…

وفلسطينُ التي تنتفضُ هذه الأيام –جريًا على عادتِها– لم تكن بالنسبةِ لي تلك البقعة الجغرافية التي تشكّل الجزء الجنوبيّ الغربيّ من بلاد الشام. عرفتُها قبل أن أعرفَ موقعها، قبل أي معلوماتٍ عنها. هي المكانُ الذي زارتهُ أمّي أواسطَ ستينات القرنِ الماضي، ومنهُ جلبت لجدّي أقلاماً وأزرار قمصانٍ لامعةً وحمّالةً للمفاتيح، ولجدّتي شالاً، كنتُ قد وُعِدتُ أن أُلبِسهُ لعروسي إذا ما تزوجت، لكنني لم أفعل.

كنتُ طفلاً حينَ عرفتُ أنّ أبي شاركَ في حربِ حزيرانَ وحرب الاستنزاف، لكنّ المفارقةَ أنّ أحدًا من عائلتي لم يعتبر تلك الحرب على حدود الجولان السوريّ بقدر ما اعتبرها على حدود فلسطين! عرفتُ البلادَ تلك من جراحٍ تركَتْ نُدباً في جسدِ أبي.

وُلدتُ لعائلةٍ تعرفُ فلسطينَ أكثر مما تعرفُ سوريا ربّما، ولا أسوقُ هذا مديحًا، بل معلومةً لطالما اعتقدتُها حقيقةً في صغري، كانَ أبي بعثياً قديماً (وظلّ كذلك بالمناسبة، فقد ترك الحزبَ أوائل السبعينيات)، وجدّي لأبي كان ميّالاً للاتحادِ القوميّ قبل ذلك بعقدين، بينما كانت أمّي مستقلّةً لكنّها ذات هوىً ناصريّ، مثلُ والدِها. ووالدُها هذا، رغمَ أنّهُ توفّي بعد ولادتي بأشهر، إلّا أنهُ كان واحدًا من أسباب معرفتي بفلسطين، فقد قيل لي إنّهُ كانَ على علاقةٍ جيدةٍ بياسر عرفات عندما فتحت منظمةُ التحريرِ مكاتبَ ومراكزَ تدريبٍ لها في السويداء أواسط الستينات. وهل فلسطين بالنسبةِ لطفلٍ مثلي سوى ياسر عرفات؟!

هكذا، من هذه الأرضية بدأت علاقتي بتلك الأرض.

لكنّ ما تقدّمَ هو شيء من سيرةِ أهلي، أمّا علاقتي أنا مع فلسطين، فقد سعيتُ أن تكونَ قدرَ استطاعتي مفصولةً عمّا تربّيتُ عليه، فاحتكاكي المباشر القضية الفلسطينية بدأ من صورةِ محمود درويش على التلفزيون الأردنيّ قُبيل نشرة الثامنة مساءً، يقرأُ بالتناوبِ مع الشاعر الأردنيّ حيدر محمود في استوديو مغلق مقاطعَ من شعرهما، وكانت حصّة محمود درويش دائمًا قصيدة “سجّل أنا عربي”.

مع مطالع العقدِ الجديد، وتزامنًا مع انتفاضة جنين، وفي جوّ سوريّ كان يبدو أنّهُ يكسرُ احتكارَ السلطةِ للشارع في ما اصطُلحَ على تسميتهِ بـ ربيع دمشق، كنتُ من بين أولئكَ الذين نزلوا للشوارعِ في السويداء ودمشق للتظاهرِ دعماً لمخيم جنين في محنتهِ التي قيل فيها آنذاك «جينينغراد» (قبل أن نحظى كسوريينَ بألف «جينينغراد» في بلادنا)، لم أكن قد بلغتُ الثامنة عشرة من عمري.

على أنّ النقلةَ الحقيقية في علاقتي مع فلسطين كانت في السنة الأولى من الدراسة الجامعية، حيثُ الاحتكاكُ المباشرُ مع الفلسطينيين الذين كانوا قبل هذا مجرّدَ سيرٍ عطرة في سرديّات العائلة، وكأنّ عائلتي كانت تتعاملُ معهم، بوعيٍ أو بدونِ وعيٍ، على قاعدةٍ قرآنيّةٍ تقولُ “أمّا اليتيم فلا تقهر”. نعم، لقد كانَ الفلسطينيون يتامى في نظرِ عائلتي، فاقدي أرضٍ، منفيينَ ليس من الواردِ أن تُوجّهَ لهم ملاحظة، (أعتقدُ أنّني وذويّ بتنا نعرفُ الآنَ معنى أن تكونَ يتيماً)!

تلك القاعدةُ التي انتفت مع أولِ دخولي الجامعة، حينها، خرجَ الفلسطينيون من الكُتب، من القصائد وأغاني الثورة، من إذاعة القدس «على طريق تحرير الأرض والإنسان»، خرجوا من كلّ ما هو ليس ملموساً، وصاروا أشخاصاً حقيقيين، يأكلونَ ما آكلُ، ويدرسونَ ما أدرسُ، وتحزّ الفواتيرُ الشهريةُ أعناقهم مثلما تفعلُ بأعناقنا، يبصقونَ مثل أغلب السوريين من شبّاك السيرفيس، ويبولون تحت جسرِ الرئيس مثلما نفعلُ تماماً! حتّى أنّهم من المُمكن أن يحبّوا الصبايا اللواتي نحبّ!

في تلك الفترة، تعرّفتُ إلى غياث المدهون في الجامعة، ولربّما كانَ الرجلُ أولَ صديقٍ فلسطينيّ مقرّب، ومن المؤكّدِ أنّه أولُ صديقٍ فلسيطينيّ يزورني في بيتِ العائلة، ومن المحتملِ أنّ هذا هو السّبب الرئيسيّ للعلاقة المميزة التي جمعت أهلي به حتى اللحظة. فبعيداً عن ابتسامتهم لفتاهم الذي كبُر وبدأ يكتبُ الشعر وصار لهُ أصدقاء شعراء، هم يرونَ في غياث فلسطينياً قبل أيّ شيء. أمّا الشعر، فلطالما أنت فلسطينيّ فأنت شاعر بالضرورة!.

هكذا عرفتُ فلسطين، أول البلاد التي صرخت، أوّل الصراخِ وأول الشعر.

البلادُ العزيزةُ التي ما زالت حتّى اللحظة تصرخ… وحتّى اللحظة تكتبُ الشعر.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*