2203243_full-lnd

أوراق القرعة البلهاء

في ذاكرتي، أننا كنا نبدأ بالدخول تباعاً إلى غرفة «التوجيه»، والتوجيهُ هو الأمر الذي يقوم به الموجه أو الموجهة، والموجه والموجهة أشخاصٌ لم أكن أعرف لهم مهمةً سوى أنهم يبعثون الخوف في نفوس التلاميذ الصغار، وبعثُ الخوف في التلاميذ كان أحد أبرز مهمّات المدارس في بلادنا… إلخ.

أياً يكن الأمر.. نبدأ بالدخول إلى تلك الغرفة كي يختار كلٌ منا ورقة من علبة فيها عشرات الأوراق، ومضمون تلك الورقة كان سيحدد كثيراً من مصائرنا، أو هذا ما كان يفترض به أن يفعل، ولكن ليس بالنسبة لي أنا وأمثالي لأن والدتي كانت مُدرِّسةً، ولهذا فإنني وأياً كان مضمون الورقة التي سأحصل عليها في القرعة، سأكون في صف اللغة الانكليزية.

في ذاكرتي أن والدتي قالت لي إنني سأدرس الإنكليزية، وأن الموجه إياه طلب مني أن أدخل وأسحب ورقةً، وعندما قلت له إن والدتي مُدرِّسة قال لي: «إذا ما طلعلك انكليزي تعا لعندي»، ولكن «طلعلي إنكليزي»، ولم أذهب إليه.

في ذاكرتي أيضاً طلابٌ كثرٌ حصلوا على ورقة اللغة الفرنسية، لكنني شاهدتهم لاحقاً في صفوف اللغة الانكليزية، وفي ذاكرتي أن أولاداً كثراً خرجوا ينتحبون لأنهم حصلوا على ورقة اللغة الفرنسية، وآخرون لم يظهر على وجوههم أي اكتراث، وكانوا في الغالب من الطلابِ «الأشقياء» الذين كنت أحسدهم، دون أن أجرؤ على أن أصير واحداً منهم.

النتيجة كانت دائماً صفوفاً للغة الانكليزية يغلب على طلابها أنهم أبناء هيئة تدريسية، أو أبناء مسؤولين وضباط، أو طلابٌ مجتهدون بأوضاع اقتصادية جيدة أو متوسطة. وفي المقابل، صفوفٌ للغة الفرنسية كان يغلب على طلابها أنهم الأقل حظاً و«ذكاءً» وحسباً ونسباً.

كيف تواطأنا على القبول بقبحٍ كهذا؟ لماذا لم يقم أولئك المنتحبون لأنهم حصلوا على أوراق اللغة الفرنسية بإحراق المدارس والبلاد كلها؟

أتخيلُ اليوم طلابَ الصفوف الفرنسية يحملون صواريخ التاو ويدمرون بها الدبابات، أتخيلهم في بداية الثورة يواجهون الرصاص بالصدور العارية، ثم يحاولن بأسلحة بسيطة السيطرة على مقراتٍ حكومية أذلتهم طويلاً. أتخيلهم في فلسطين يطعنون المستوطنين بالسكاكين، وفي مصر يتظاهرون في أزقة القاهرة ضد السيسي، وفي ليبيا يهتفون «قولوا لمعمر وعياله.. ليبيا فيها رجالة».

ثمة مبالغة في تخيلاتي دون شكّ، لكن السفالة التي قبلتُ بها أنا يوم كنت طفلاً ليست سوى جزء صغير بالغ الكثافة من أنظمة التمييز المخيفة في هذا العالم، وليست إلا حجراً صغيراً من أحجار واحد من أكثرها خبثاً وتضليلاً ووحشية.

أيّ عقولٍ تفتقت عن نظامٍ كهذا لاختيار طلاب اللغة الانكليزية والفرنسية، أيّ عقولٍ قبلت وتقبل به؟ وقبلت وتقبل معه بآلافِ أنماط التمييز والمهانة والإذلال لنفسها ولغيرها؟ يلزم لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال أن تكتمل الصورة، لأن ضحايا التمييز أنفسهم هم من يقاتلون دفاعاً عن أنظمة تمييزٍ قذرة، ولأن ضحايا التمييز يواجهون بعضهم بعضاً على جبهات القتال في كل مكان.

لقد كان طلاب اللغة الفرنسية ضحايا عملية تمييز، كذلك كان طلاب اللغة الانكليزية ضحايا أنواعٍ أخرى من التمييز على غير صعيد. لقد كنا جميعاً ندور في حلقةٍ مفرغةٍ من الهيمنة السلطوية التمييزية المخيفة، التي حصلَ أن ثار عليها بعضنا قبل نحو أربعة أعوام ونصف في سوريا، وها هي الأثمان الباهظة ندفعها جميعاً على نحوٍ لا يصدقه عقل.

إنها ليست أثمان الثورة والتمرد، بل هي أثمانُ ذاكَ القبول والصمت المستحقة، أثمان أوراق القرعة التي كانت أكثر من أوراقٍ لاختيار اللغة الثانية في المدرسة، لقد كانت نموذجاً مصغراً عن جميع أوراق السلطة البلهاء التي تواصل تحطيم حياتنا جميعاً.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*