إلام أحنّ؟

منذ أن بدات موجات لجوء السوريين وصفحاتهم على الفيسبوك تمتلئ بصور جميلة للمدن السورية، للمطاعم، للحارات، للأزقة. موجات حنين جارفة، يرافقها تمسكهم بكل ما هو سوري فيهم، خوفًا من أن تبتلعهم غربة قاحلة، تأكل أرواحهم، وتعودهم على العيش من جديد، بدون وطنهم الأم.

لكن المشكلة بالنسبة لي، أنني ومنذ أن خرجت، والتحقت بركب من سبقني، وأنا لا أحنّ. حتى صرتُ أخشى من نفسي التي لا تشتاق!

فكلما كتب سوري عن حنينه لجمال دمشق تحت المطر والثلج، أتذكر حفر الطين التي يطبس فيها المرء، وكيف تغرق الساحات والأنفاق بالمياه.

وكلما كتب أحدهم عن الحنين إلى أيام الطفولة والمدرسة، تخنقني على الفور فولارات المراحل الابتدائية والبدلة العسكرية بعدها. وتلوح أمام ناظري صورتنا ونحن نردد في باحة المدرسة الشعارات كل صباح دون أن نعي ما نقول، وكيف نفكر بالحصص والوظائف وبتهديد مدربة الفتوة الذي نفذته يومًا بإلصاق علكة من يعلك أثناء ترديد الشعار بشعره، عل هذا الصباح يمر على خير.

ولا يلبثُ أحدهم أن يكتب عن حنينه للحياة الجامعية، حتى أتذكر الموظفة التي كنت في كل عام أمزق أوراق التسجيل في الجامعة وأرميها في وجهها عندما تصرخ فيّ، وتكلمني باستعلاءٍ يتسمُ بهِ الموظف الغبي.

وإذا انتابَ أحداً الحنينُ إلى الأمن والأمان، أتذكر ما سمعته عن فروع المخابرات وعن الحيطان وآذانها. فرغم أن زياراتي لفروع المخابرات لم تكن بالهول الذي توقعته، لأنها جاءت في مرحلةٍ كانوا يحاولون فيها أن يظهروا لطفاء، ولأن الفروع التي استدعتني لم تكن فروع الرعب، لكن مجرد فكرة أنني اضطررت للمثول أمام ضابط في المخابرات لأشرح له لم أرغب في تغيير دراستي من فرع الاقتصاد إلى كلية الإعلام، وكأن ذلك أمر غير طبيعي تذهلني. وأنني زرت فرع الاستطلاع للسماح لي بتصوير فيلم وثائقي من إنتاج اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأشرح للعميد فكرة الفيلم والهدف منه، وأُثبت انتمائي القومي والوطني، تشعرني بمرارة. ولكن الصور الأشدّ قسوةً ورعباً تلك التي رواها من خرج حيًا من الأصدقاء من المعتقل، والصور التي سبقتها والتي لم ينسها معتقلون سابقون في تدمر، بل حفظوها وحملوها معهم، لتكون كفيلة بزرع الرعب في قلبي حتى وأنا على بعد آلاف الكيلومترات!

كلما حنّ الأصدقاء إلى الأماكن، أتذكر خلوها، وكلما حنوا إلى المدن، أتذكر وحشتها، وكلما حنوا إلى العيش الهانئ، أتذكر رعبي ووساوسي، وكلما حنوا إلى دمشق، أتذكر مزح العساكر على الحواجز.

صرت أسأل نفسي، هل كرهت البلد؟ لا يمكن، إ إنني حتى اللحظة أشعر وباستمرارٍ أنني في المكان الخاطئ، وأن وجودي هنا مؤقت، وأنني لابدّ عائدة. هل من الممكن أن تكون صورة صورة سوريا قد تشوّهت في إحساسي ووعيي؟ في قلبي وعقلي؟ حسناً، ولنفترض أن ذلك فعلاً ما قد حدث، ما الذي يمنعُ من الانتقالِ النهائيّ إلى حيثُ أنا؟ ما العائقُ أمام المضي قدمًا؟ ثمّ كيف يُمكنُ تعريفُ هذا الانتظار؟

شخصياً، أحنّ إلى سوريا التي حلمنا بها مع بداية المظاهرات، تلك التي كنت أراها في عيون أصدقائي، أحنّ إلى سوريا لم تكن، لكنّ أملي لم ينطفئ في أنها ستكونُ، ولو متأخرة ومكلومة… كلي أمل.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*