جيل حافظ!

بعد أن أمضينا الليل نشرب البيرة على الشرفة، أذَّن الفجر، فنزلنا إلى جامع «الشهداء»، الرئيس سابقاً، في حي الوعر، كنا ندخن في شارع فرعي بين بنايتين، حيث لا يعبُر الذاهبون إلى الصلاة في هذه الساعة من رمضان 2011، انتظرنا نهاية الصلاة، وعند خروج المصلين بدأ الهتاف اليومي بسقوط النظام، كان المتظاهرون جميعاً من الشباب، في حين مرَّ كبار السن بمحاذاة المظاهرة عائدين إلى منازلهم، هتف قائد المظاهرة «يا جيل حافظ اسمع اسمع، غير لله ما رح نركع»، ردد المتظاهرون هتافه وهم ينظرون إلى الشيوخ الذين تابعوا سيرهم كما لو أن الأمر لا يعنيهم.

كثيراً ما حدثني أبي عن ما عاشه في بداية الثمانينيات، أكثر رفاقه أعدِموا أو اعتُقلوا، فقد كانوا إما من الإخوان المسلمين أو من رابطة العمل الشيوعي، أو محايدين جرفتهم مجازر البعث بسبب تفوههم بكلمة ضد النظام، هكذا تلقى الصدمة وهو في الجامعة، مما جعله ينطوي على نفسه ويمضي عمره وحيداً متوجساً من العلاقات الاجتماعية، فقد تحولت سوريا إلى «جمهورية مخابرات» لا يثق فيها أحد بأحد، أبي اليائس يمثل جيلاً حطمه حافظ الأسد، ومن من هذا الجيل وُلد جيلُنا، جيل التسعينيات، كانت تجربة حافظ الأسد قد اختمرت في بناء دولة الرعب، والسبات يعم سوريا بعد أن تشرب جيل آبائنا -الذي كان شاباً في الثمانينيات- ذلك الصراع الأليم بين البعث ومناوئيه.

لم يكن في ذاكرة جيلنا سوى شعارات البعث التي رضعناها منذ طفولتنا، كيف لا ونحن نردد كل صباح قبل بدء الدوام المدرسي «عهدنا، أن نسحق الرجعية والإمبريالية والإخوان المسلمين»، وفي العطلة الأسبوعية نقرأ مجلة «أسامة» التي كانت المجلة الوحيدة للأطفال في سوريا، وهي مليئة بأغنيات البعث، بعد أن نكون قد أنهينا واجباتنا المدرسية على دفاتر تعلوها صور القائد، حقاً كنا نكره كل ذلك دون سبب واضح، فنحن لم نعش تجربة تيارات سياسية أو انتخابات أو حتى صدام عسكري، ولم نعرف عن التاريخ السياسي القريب لسوريا إلا من خلال تلك الأحاديث العابرة في الأمسيات المغلقة، والتي كان يردد فيها الكبار أخباراً من العقد الفائت عن سجنَي تدمر وصيدنايا.

مع مجيء بشار الأسد إلى السلطة، لم يتغير شيء من القمع الأمني، سوى تلك المحاولة اليتيمة المسماة بـ«ربيع دمشق» عام 2004، والتي لم نعِها كما ينبغي بسبب وأدها المبكر، وعلى الرغم من أن الإنترنت وبعض الصحف الخاصة أتاحت لنا قليلاً من الاطلاع على تاريخ بلدنا المنهوب، إلا أننا بقينا بعيدين عن هذا التاريخ وما يجب أن نفعله للخروج من مستنقع البعث، ليس في ما سبق أية مفاجأة، بل المفاجأة في أن نشعل انتفاضة شعبية بعد كل هذا التغييب! كيف أمكننا ذلك؟.

الفرق بيننا وبين من عاشوا ووعَوا نزاعات الثمانينيات، السياسية والعسكرية، أننا لم نتلقَّ أية صدمة، تالياً لم نكن مدركين حقاً لطبيعة هذا النظام المجرم، ربما لو عشنا قليلاً من وحشيته لما تجرأنا على النزول إلى الشوارع، هذه النقطة التي نسيها النظام كانت نقطة ضعفه، بل مقتله، فالتغيير بالنسبة إلى الأجيال السابقة كان مستحيلاً، أما بالنسبة إلينا فقد كان ممكناً على الرغم من أنه ربما مستحيل بمعيار العلاقات الدولية والوضع الإقليمي لسوريا، هكذا كان جهلنا للـ«مستحيل» مفيداً وإيجابياً، محتذين دون أن ندري مقولة الكاتب الأميركي مارك توين «لم يعرفوا أن ذلك كان مستحيلاً، ولذلك نجحوا»، لكننا حتى اليوم لم ننجح، ولم يسقط النظام، بل تحولت الثورة إلى حرب أهلية، هل يعني هذا أننا كنا على خطأ بالنسبة إلى آبائنا؟.

قال لي أبي في بداية الثورة «أنت جاهل، شعبنا ما رح يتغير، كل اللي طلعوا ضد النظام انتهوا، ورفاقهم صاروا كتاب تقارير أمنية»، لكن أبي نفسه مَن غلف لي أول دفتر في المدرسة، كتب على الصفحة الأولى منه: يا بُني، إذا تعلمت، ورأيتَ أنك تزداد جهلاً، فأنتَ حقاً تتعلم…

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*