143389_2012_12_31_08_51_21

عجيانُ المدينةِ التائهون!

قد تنسى التواريخ ولكنك لن تنسى الأماكن، والمدينة بتفاصيلها وعلاماتها الفارقة تاريخك الذي لا يُنسى.

إذا نسيتْ أمك تاريخ مولدك على وجه الدقة فإنها لن تنسى أنك ولدتَ في دير الزور عندما جاء العجاج الكبير من شرق المدينة إلى غربها، وإذا نسيتَ منذ كم سنة تعرف أصدقاءك، ستقول بأنك تعرفهم منذ بنوا جسر محمـد الدرة، أو حين رصفوا شارع «ستة إلا ربع» ببلاطات ملونة، أو منذ كان التكسي من شارع القصور إلى شارع تكية الراوي  يأخذ خمس وعشرين ليرة فقط!

وإذا سألوك متى كانت أول سيجارة لك ستقول بأنها كانت في حارة «البيجامات». انظر كيف تقابل المتى بالمكان، في دير الزور يلعب المكان دور حقبة تاريخية بحد ذاته!

في مدينة كبيرة كديرالزور تتحق النصيحة أنْ علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل، وإن كانت الخيل بغالًا أحيانَا، وإن كانت الرماية هي رماية خشبة “الحاح” أو كما يعرف بالبيسبول الديري وإن كانت السباحة هي القفز من أعلى الجسر المعلق إلى الفرات والصعود إلى الشط دون مشقة.

وتقارب لهجة ساكنيها اللغة العربية الفصحى بالضمة التي يلحقونها بكل فعل يقومون به فيقول لك أحدهم: «رحتُ أكلتُ وجيتُ»، أو «قعدتُ درستُ ونمتُ».

وبالحديث عن اللهجة والمدينة،  فإن عجيان المدينة الذين لا يملكون ما يفعلونه في عز الظهيرة، لا يتكاسلون عن الخروج ليطرّوا الطرقات جيئة وذهابا من رأس قرنة إلى رأس قرنة، والقرنة هي النُّقْطَةُ الَّتِي يَتَلاَقَى عِندَهَا فَرْعا مُنحنٍ، أما بالنسبة للطرّ فهي رياضة قطع الوقت والطرقات في آن واحد.

ولأن مدينك هي حقيقتك المطلقة، فإنك تريد أن تشبه كل المدن الأخرى هذه الحقيقة، بمعنى أن تكون هي الأخرى حقيقية. هل يوجد براد ماء لعابري السبيل مكتوب عليه «على روح الحاج فلان الفلاني»؟ هل يشرب الناس الشاي أمام محلاتهم ليتلقفوا السلام من القاصي والداني؟ هل تلبس الأمهات العباية بعجالة وتخرج من الحارة إلى الأخرى لتبارك لأحد الجيران أو لتشارك في أحزانهم الطارئة؟  هل يُقيِّل والدك في الظهيرة وتسرق دراجته النارية لتذهب إلى حارة حبيبتك لتريها بأنك قادر على التحكم بالدراجة بيد واحدة والسيجارة في اليد الأخرى؟ هل يوجد بائع للمثلجات يضع لك كبستين ملونتين ويبصم بإبهامه عليها وهو يبتسم كي لا تسقط البوظة وتحزن على خسارتك؟

لا تسأل عن التواريخ أبدًا، بل اسأل عن المكان ولا شيء غير المكان وأهل حاراته وعابريه.

وستبقى المدينة بالنسبة للعجيان الذين تفرقوا في منافي العالم حقيقتهم الوحيدة جتى وإن تهدمت، وسيحاولون وإن شابَ رأسهم أن يطرّوا الطرقات في مدنهم الأخرى، وسيحاولون أيضًا البحث عن أي جسر يَسمح لهم بأن يرموا أنفسهم من فوقه حتى يلمع بريق المدينة الأولى في عيونهم مرة أخرى أو بريق تاريخهم المكاني الأول والوحيد… ربما!

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*