باب-البحر

عندما يعرّي العطش قلبي…

رائحة القهوة، باعة الورد، الياسمين، أبيض المسرح البلدي، العشاق، زقزقة العصافير، صلاة تفصل بين ضوئين، أخضر شارع الحبيب بورقيبة وأشياء أخرى كثيرة كانت كافية لجعل البدوية الآتية من الصحراء تهيم حبًا بالفاتنة تونس!

حين غادرت مدينتي في الجنوب لدراسة الحقوق بكلية المنار تونس، غادرت بكل عادات البدو، السيئة منها والجيدة، غادرت حاملة وصايا أمي الأمية ودمعها، كنت وحيدة تمامًا في مدينة كبيرة، كبيرة بما يكفي لتبتلعني وبكائي الأحمق، غير أن ابتلاعها لي كان مختلفًا، تونس المبللة بندى الياسمين وحكايات التائهين أمثالي، اللذين جاؤوا ولم يعرفوا كيف يعودوا، تونس الشهية كقبلةٍ أولى، تونس الجميلة كأمنية قذفت بحضنها قاب تيه وجعلتني أسرق المواعيد لأخطف منها قبلة ليس أكثر.

كثيرًا ما تركت محاضراتي وتسللت من المدرج الكبير، سرقتني لأهيم في شوارع لا تعرفني ولا أعرفها، الركوب في حافلة لا أعرف اتجاهها كان أمرًا ممتعًا لي، كنت بطريقة ما أقتل وحدتي في تلك الوجوه التي لا أعرف. مراتٍ كثيرة ركبت الحافلة دون أن أدفع ثمن التذكرة (أتذكر أني ضُبطْتُ ثلاث مرات، كان نصيبي منها غرامة مادية و سخط أمي الجميل) مع هذا، بقي الذهاب إلى شارع الحبيب بورقيبة أجمل ما يقترفهُ المرء من جرائم وسخط أمي البعيد يأتي على شكل قُبل (هكذا أفهمه أنا على الأقل)

أن تجلس على مدرج المسرح البلدي وقد تجمعت العصافير في أعشاشها بطول الشارع داخل الأشجار الفاصلة بين قسمي الشارع، أن تنظر فلا ترى الناس غير اثنين، يتعددون ويتوزعون، كأنها صلاة عشق، كان أمراً يدعو لبهجة ما، بهجة لا يمكن أن تعانقها بكامل جوعك.

البدوية الفقيرة كانت تغريها الأصوات المتصاعدة من المسرح، جيبها الفارغ إلا من دعاء أمها لم يمنع أنها شاهدت مسرحيات كثيرة وسمعت حفلات أكثر.

الأمر الوحيد الذي كان يثير حقدي وجود وزارة الدفاع وسط كل هذا، كان من الغرابة بالنسبة لي أن يقطع كل هذا شخص يحمل بندقية على كتفه ، كان من المؤلم لي أن باعة الورد لا يفصلهم عن السلك الشائكة إلا بضعة أمتار وأن الماء حول الساعة الكبيرة تخدشه أبواق السيارات الخارجة من ذلك المكان.

مرّ وقت طويل لم أزر تونس العاصمة، غير أنها تزورني كل مغرب بعناق عشاقها و أبيض مسرحها وباعة الورد الطيبين وصوت الماء وهو ينحت في وقتٍ ما، شيئاً منها، ورائحة وقد اتخذت لها دور «الحضن» بعد يوم من العمل والضجيج.

مرّ وقت طويل والفاتنة تونس تردد فيّ قصائدها، تغريني بتيهها العذب، تشق مسافات كثيرة لتكون «عين ماء» في قلب بدوية حمقاء.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*