لماذا نواكشوط؟!

حين غادرت «نصرة الرياش» قريتنا موحسن، ويمّمت شطر دير الزور في ستينيات القرن الماضي، وبنت البيت الذي سيعرف لاحقاً «بدار الحجاج» كانت تشعر بحسّها العالي أن هذا المكان بغرفتيه وجدرانه الإسمنتية الخشنة العارية من الزريقة سيكون محطةً ومستقراً لجميع أبناء وبنات زوجها الحجي من زوجاته الأربع في دراستهم الإعدادية والثانوية، ومصيَفاً لهم حين تقفل جامعة حلب أبوابها.

وُلدتُ في الغرفة القبلية من هذا البيت على ما تذكر أمي، كانت قد سافرت من الطبْقة بجانب سد الفرات حيث يعمل والدي لتضع مولودها في بيت أمها، تكفلت أختي الكبيرة برمي سرّتي في المدرسة القريبة طمعاً بأني سأحب المدرسة على ما تقول حكايا الغيب.

الوقت تجاوز منتصف الليل حين حطت الطائرة في نواكشوط، من شباك سيارة الصديق الذي أقلني من المطار تبينت الحجم الهائل للمدينة المنبسطة، المطار في قلب المدينة والطائرات تكاد تلامس أسطحة المنازل وأسلاك الكهرباء العشوائية الداخلة لقلب تلك البنايات التي لا تزيد عن أربعة طوابق، وصلنا «تفرغ زينة»، الحي الراقي نسبياً والذي ترتكز معظم السفارات الأجنبية فيه، من الغرفة التي سأقضي فيها الشهور الستة القادمة أطل على سفارة اليمن وغامبيا وإيمباست مالي، السفارة التي سأردد اسمها كلما طلبت تكسي لتوصلني للبيت، من باب هذه السفارة رأيت لأول مرة سيارة البيجو 508، فخامة السيارة الهائلة قالت كل شيء عن وضع الناس في مالي الدولة الجارة لموريتانيا.

«أريد أن أرى المحيط»، قلت لأصدقائي. نواكشوط تخاف المحيط، بناها أهلوها على مقربة منه دون أن تلامسه، اعتقدوا أن الكيلومترات السبعة التي تفصلها عنه ستحميها منه إذا ما فكر يوماً أن يغضب عليها، وهي المدينة الواطئة التي تنخفض أرضها بتربتها الرملية البيضاء نصف متر عن سطح الماء، مخيف فعلاً هيجان المحيط بأمواجه العالية وتياراته الداخلية، البحر، أي بحر، مزحة صغيرة أمام هذا المحيط!

تجرأتُ وخلعت ثيابي وسبحت، في اليوم التالي توجهت إلى مرسى كابيتال، قلب المدينة ومركزها الإداري بشوارعه الإسفلتية العريضة. أقل من عشرين بالمئة من شوارع نواكشوط وموريتانيا يغطيها الإسفلت والبقية نهب للرملة البيضاء. الأسواق الشعبية ببسطاتها المزدحمة وباعتها الزاعقين ببضاعتهم أعادتني فورًا إلى دير الزور والرقة قبل ثلاثين عاماً، أسواق تزدحم بمتطلبات الحياة البسيطة من حبال وأداوت زراعية وأوانٍ بلاستيكية ملونة والكثير الكثير من الدرّاعات الملونة المطرزة، اللباس الرسمي للرجال هناك. غير بعيد عن مرسى كابيتال يقع نقطة ساخنة، وهو سوق صغير للإلكترونيات من هواتف ذكية وكومبيوترات ولابتوبات حديثة، أحببت الإسم: «نقطة ساخنة».

ضاقت دمشق كثيراً، في سنتي الأخيرة  لم تتعد حركتي فيها حدود الحارة، الخوف من الحواجز والاعتقال و اندلاع الاشتباكات على أتوستراد درعا دمشق، حيث يمر سرفيس نهر عيشة صحنايا  الذي يصل بيتي بالعاصمة، قلّص فضاء المدينة ليختصر بمنزلي ودكان صديقي النحات والذي يعمل حلاقاً في هذا الدكان الصغير. غياب الأصدقاء واعتقال بعضهم واستشهاد البعض الآخر سحب أوكسجين الحياة من دمشق حد الاختناق، لم تعد دمشق هي المكان، كل شيء فيها يذكّر بالفقد والخوف ويدعوني للرحيل. غادرت بيتي وتركت كل شيء في مكانه، أسئلتي المعلقة عن دمشق المكان والحياة الاجتماعية، إجاباتي المترددة غير المحسومة  وبضع أحلام مؤجلة وخيبات وانتصارت صغيرة في مواجهتي لمدينة كبيرة أردتُ تحدي جبروتها بأن أكون واحداً من أبنائها، أنا القادم من ريف بعيد.

في سنيني الأخيرة في دمشق بدأت مناماتي تأخذ شكلًا مغايراً لما اعتدت عليه، باتت أغلب أحلامي تجري في  الطبْقة، أمّا الشخوص والتفاصيل تتغير حسب مجريات اليوم أو السهرة.

الطبْقة، الحي الأول، بناء سبعة وثلاثين، شقة رقم خمسة، هذا هو عنوان بيتنا هناك، يالهذا العنوان المحترم! بناء من أربعة طوابق يشبه كل الأبنية الأخرى الموجودة في المدينة التي بنيت عن نموذج سوفييتي لمدن العمال والموظفين، يتموضع حيّنا ببناياته المتشابهة حول سوق مركزي تعلوه قاعة المركز الثقافي. الطبقة هي سوريون وفلسطينيون وعراقيون وسوفييت، هي الدير والرقة والحسكة وحمص وحلب وحماة وسلمية ودرعا والسويداء وألف مدينة أخرى. هي عرب وكرد وآشور وسريان وأرمن وشيشان وشركس، هي مسلمون ومسيحون، لا أذكر أن يهوداً مروا فيها، سنة وشيعة وعلويون ودروز واسماعيليون وأزيديون، هي الكتاب الأول، والقبلة الأولى والحب الأول، والخناقة الأولى والقتلة الأولى والصداقات الأولى والإجابات الأولى عن هذا العالم، الإجابات التي كنت أعتقد أنها ناجزة. فمن أنا وسط غابة التنوع هذه!.

في الصيف نسافر لدير الزور، ننزل في بيت الحجاج ليومين أو ثلاثة ريثما يتم تنظيف بيتنا وتجهيزه لقضاء العطلة، شهرين من الاحتكاك اليومي والدائم بالأقارب والأتراب ممن هم في عمري  وأكبر، لعباً ومشاوير وشيطنات في حيّنا، حي المطار القديم الذي تسكنه أغلبية ريفية من قريتنا والقرى المجاورة. الالتصاق بالاقارب ضرورة لتأمين بعض الحماية أثناء اللعب والشيطنات من قبل الآخرين، الذين بدأت بالتعرف عليهم ،هؤلاء بوسرايا، وهؤلاء بقعان وبوحسن وبو بدران، وبوليل، وآخرين، وأنت، من أنت؟ يا من تعتقد أن العالم هو صورة عن صفّك المدرسي الذي يجلس بجوارك فيه زميلك الحمصي وزميلتك المسيحية.

سكان نواكشوط مزيج هائل من العرب الذين يتكلمون لهجة خاصة بهم اسمها الحسّانية، ويُدعون بـ «البيظان» رغم أن ملامحهم سمراء تشبه في نعومتها ملامح اليمنيين، وأقوام أفريقية أخرى من فولّان وبولر وسنوكي وولف وطوارق وحرطان وسنغال وماليين ونيجيرين يتركز أغلبهم في أحياء المدينة العشوائية، والفقيرة بشكل رهيب. سانكيم وسيزيم وبضعة أحياء أخرى، يتكلم هؤلاء لغات مختلفة كل حسب قوميته وتجمعهم في الغالب اللغة الفرنسية، اللغة الرسمية في البلاد قبل أن تزيحها العربية قبل سنوات، لم يستغرق الأمر سوى أيام لأدرك أن هذا التمسك الرهيب بالقومية العربية هناك، ماهو إلا غطاء للتمييز الطبقي والاجتماعي والسياسي، يمسك بعض  «البيظان» بناصية الاقتصاد والسياسة ويتوزع الفقر والجهل والرق بأشكاله الجديدة على البقية كل حسب حظه، التوتر والانقسام المجتمعي لا تخفى جذوة توهجه تحت رماد الديمقراطية الشكلية.

بيروت كدمشق، ومن قال إن النظام السوري أقوى في بيروت منه في دمشق لم يجانب الصواب. حوالي السنتين من الانهماك في العيش والعمل ووداع الأصدقاء الذين يتسربون يومياً من أصابع بيروت لمهاجر بعيدة وجديدة جعلت كل الأسئلة عن بيروت وهذا الشرق وعني معلقة تنتظر الإجابات.

توفيت نصرة الرياش خلال الثورة ودفنت في القرية دون أن أتمكن من حضور مراسم عزائها، نزلت نصرة إلى المدينة بإرادتها واختيارها ومضت في هذا الخيار إلى نهايته، وعادت دون خيار منها، ربما هي حال الدنيا. بعدها بفترة قصيرة كنت أختصر عالمي في نواكشوط بغرفتي الصغيرة محاولاً النظر إلى نفسي دوناً عن أي شيء أخر، أن أجرب تصويب عيني  كمنظار فضائي جهة دواخلي، وأعمل فيها عمل النحات لأزيل ما هو زائد، ما أظنه ناتئاً وناشزاً عن الجوهر،عمّا أعتقده يشبهني أكثر، هذا لم يكن متاحاً لي قبلاً، لم توفره مدينة أخرى، كانت كلها تضيف أسئلة جديدة تتراكم فوق الأسئلة المعلقة القديمة. في نواكشوط شعرت أني قادم من زمن مختلف، من المستقبل ربما، من زمن يحمل إجابات ناجزة عمّا رأيته هناك، قضيت الوقت كأنني أُعيد زمناً عشته قبلاً.

 في ميونخ التي وصلتها قبل أيام قليلة، أشعر أن مزيداً من الأسئلة بدأت تترسب في جعبتي.

المدن هي الأسئلة التي تؤرقنا وتحاصرنا كل يوم، خياراتنا وذهابنا للنهاية خلف هذي الخيارات وحدها تجعل بعض الإجابات ممكنة، هي المفتاح  الفضي أيضًا لأبواب المدينة وبواباتها السرّية.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*