هالله هالله بأهل الدير

يسيطرُ تنظيم الدولة الإسلامية على أغلب أحياء دير الزور اليوم، وثمة أحياءٌ أخرى في المدينة تحولت إلى مناطق تماسٍ خالية من السكان، فيما تسيطرُ قوات النظام السوري على أحياء الجورة والقصور وهرابش والبغيلية، التي لا يزال يقطنها نحو 200 ألف مدني نصفهم من النساء والأطفال.

يحاصرُ عناصر التنظيم الأحياء الأربعة بما فيها من مدنيين، ويمنعون عنها الغذاء والدواء والمحروقات، ويقومون بقصفها بشكلٍ دائم، فيما لا يفعل النظام السوري شيئاً لتأمين حياة المدنيين هناك أو مساعدتهم، بل هو يحتمي بهم ويستفيد من معاناتهم وأزماتهم. وتشيرُ جميع التقارير إلى أن تهريب المواد الأساسية التي تباع بأسعار خيالية مستمرٌ هناك، وإلى أن ضباط وعناصر النظام والتنظيم يحصلون من ورائه على مبالغ طائلة. كذلك يبتزُّ ضباطُ النظام المدنيينَ ولا يسمحون لهم بمغادرة ذلك الجحيم إلا مقابل مبالغ مالية طائلة، لم يعد أغلب السكان قادرين على تأمينها.

تلك هي الصورة اليوم، لكنها صورة مخادعةٌ في وجهٍ من وجوهها على كل حال، إذ تبدو فيها مسؤولية نظام الأسد جزئيةً عما يحصل في دير الزور، كما تبدو مسؤوليته جزئيةً عن كل الكوارث والمصائب التي حلّت بالسوريين. هي صورة مخادعة لأنها صورة ناقصة، ولأنها لا تقول شيئاً عن كيف وصلنا إلى هنا، ولأن العالم يريد لنا أن نتوقف عند اللحظة الراهنة، ونقول إن ثمة مجرمين يتقاتلون، وأنه لا بد أن نصل معاً وسوياً إلى حلّ.

لا شك أن الثوار السوريين باتوا في وضعٍ لا يحسدون عليه، ولا شك أنهم ربما يجدون أنفسهم مجبرين على القبول بتسوية غير عادلة. لكن ما لا يجب أن نستسلم له هو النسيان، ينبغي أن تبقى الذاكرة حيةً في دير الزور وفي غيرها، وينبغي ألّا ننسى وألّا نسمح للعالم أن ينسى ويُنسينا.

لم يأتِ تنظيم الدولة الإسلامية إلى دير الزور ليحتل أحياءاً فيها ويحاصر أحياءاً أخرى، ليست هذه هي الحكاية، بل الحكاية أن دير الزور كانت مدينة مهمشة طيلة عقودٍ من حياة الدولة السورية، وأن أبناءها تظاهروا سلمياً طيلة أشهرٍ مطالبين بالحرية، حتى وصل الأمر أن ضمّت ساحاتها وشوارعها ما يقرب من نصف مليون متظاهر، وأن النظام أوغل في دماء أبنائها وأبناء سوريا حتى حمل بعضهم السلاح فكانَ الجيش السوري الحر، وأن الجيش السوري الحر صمد في وجه قوات النظام، لكنه لم ينجح في الصمود في وجه قوات النظام وقوات تنظيم الدولة معاً، وأن المصائر التي آل إليها أهل أحياء دير الزور المحاصرة، هي مصائر قاد إليها بطش النظام وشبقه للسلطة والهيمنة والاستفراد بثروات البلاد.

ربما يكون هذا حديثاً مكرراً لا جديد فيه على ما سيقوله كثيرون، لكننا يجب أن نستمر في تكراره وإعادة قوله بأشكال مختلفة وفي كل مناسبة وعلى كل صعيد، يجب أن لا نسمح لأحد غيرنا بكتابة التاريخ، والتاريخُ يقول إنه كان لأهل دير الزور أحلامٌ كبيرة، وأنه تم سحقها بالرصاص والدبابات والطائرات، ثم بالسيوف والمفخخات والانتحاريين والحصار.

عامٌ مرّ على حصار الجورة والقصور وهرابش والبغيلية في دير الزور، وما يقرب من خمسة أعوام على بداية الملحمة السورية، ولا تزال أحلام السوريين الكبيرة تطوف في سماء الشرق المزدحمة بالطائرات.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*