أشكال ألوان| إنه من العالم الآخر

يا لبرد الحديد، راحتاك لا تقتلان البرد، والزيتُ لا يزيل الصدأ، فقط يزيدُ القتل لمعاناً. طغيانٌ ما تفعله الحرب بالمفردة، فتزيدك انحناءاً وتضجً القيامة بالخبز الساخن والصباحات الصريعة.

لماذا عشقتَ الكرز يا زوربا، وتنحيتَ عن لونه الفاقع لصالح الرقص وحيداً، كمن يتمسك بخيبة الموت وهشاشته. «صديقي»، أيّ صدىً قديمٍ أنضبَ معانيَ الحروف، أما زلتَ تُجيدُ الركض فوق الحواف، وتحبُ آخر الطعام المحروق أسفل «الطنجرة»؟ أما ارتويتَ من المكان وحيرة الهوامش والأسئلة الكافرة؟ أما قلتَ: «لم يعد كافياً مَلَلُكَ» كي تجيد القراءة، لمن تكتب جملتك الآن: «لا وقت دون خسائر»؟

ما الذي ستخبرهم عنه في رحلتك القادمة إلى السماء، هل ستجدُ هاتفاً قديماً بقرصٍ هناك، فأنت تكره حضارة الأجهزة، ولم يكن لديك رغبةٌ في أن تقعقع على الكيبورد أحرفاً متشابهةً بلا روح. لم يكن لديك رقمٌ «خليوي» ولا أجهزةٌ معطلةٌ كثيرة أو مسروقة، ولم تحتفظ برسائلك في بريد الكتروني. أنت أيضاً تكره الحمام الزاجل رغم عودته دائماً، كنتَ تقولُ لنا: ما ذنبُ هذه الطيور لتحمل ألمنا، وتتشارك معنا خيباتنا وحروبنا؟

أحبُّ هذا الهاتف صاحبَ القرص، وأنت تحمله بيدٍ وتضغطُ بوجهك على سماعته وتطلبُ الرقم بموسيقا جميلة. أين كنت تضع سجائرك حينها في هذا الزحام، ما عدتُ أذكر؟

كنتُ دائمَ التركيز على الرقم الذي تطلبه، وحين أسألك عنه تشير إلى السماء وتضحك. مرةً قلتَ لي: «إنه رقم العالم الآخر»، ها أنت تستعد للرحلة، لا كما أعرفك، أنت الآن هادئٌ جداً، ترتدي لوناً لا تحبه. نسيتُ أن أسألك قبل هدوئك المفاجئ، لماذا كنت تكره اللون الأبيض يا صديقي؟

لم يحدث أيضاً أن رأيتك تستحم، كم عشتُ معك في بيت واحد! كنتُ دائماً أراك بأسنانٍ بيضاء وذقنٍ حليقة، كيف كنت تغافلني وتمرُّ أمامي دون أن أشعر بك؟

لم تسبقني إلا بثلاثة أعوام، وكبرتَ ولم أجد كتاباً على طاولتك، ولا مكتبةً في غرفتك، وكنتَ دوماً تُدهشني بما تكتب وما تقول وما تفعل، أين تعلمتَ كل ذلك؟

كنتَ دوماً  تبتسمُ لسؤالي وتشيرُ إلى السماء، مرةً قلتَ لي: «إنه من العالم الآخر»،

تعلمتُ منك أنه لا يجوز أن أكرر الجملة مرتين في نصٍ واحد، ولكن ما الذي أفعله أمام ضيقِ اللغة حين تختصرُ إجاباتك لي بإشارةٍ واحدة وجملةٍ مقصلة.

أتعرف؟ في مراتٍ كثيرة كنت أستلقي على ظهري على سطح بيتنا لأراقب الصناديق التي تهبط من العالم الآخر إليك، وكنت لا أنسى أن أنزعَ فيش الهاتف حتى لا يغافلني العالم الآخر باتصالٍ مفاجئ لا أكون فيه قربك. دائماً كنتُ أنامُ قبل وصول الصناديق إياها إلى غرفتك، أعرفُ أنك تقول في تلك اللحظة: اختر ألفاظك، فالـ«ها» هنا تدل على أنثى.

صحيحٌ أنني لم أرَ أنثى في حياتك يوماً، ولم تحدثني عن حبٍ عشته، أنت في الأصل لم تخرج من بيتنا، على الأقل لو سألتك قبلها: من أين كنتَ تأتي بهذي  الثياب الجميلة؟

أعرفُ جوابك، صارت تقتلني هذه الإشارة الآن. بحثتُ اليوم في غرفتك ولم أجد أثراً لثيابك، ولا حتى ذلك المعطف السماوي الذي كنتُ قد طلبته منك مراتٍ كثيرة، ولكنك لم تجبني، ما الذي كان يغريك بالصمت أمام ثرثرتي الكثيرة؟

كانت لديك أسئلةٌ كثيرة حين كنت أتلصص عليك وأنت تتحدث على الهاتف، وكنتُ دوماً أحاول أن أتباهى بما سرقت منك من أسئلة أستطيعُ أن أحشرَ فيها أصدقائي المثقفين في الزاوية فتبدوا أجوبتهم غبية، وأنا أراقبُ وجوههم كنت اسألُ نفسي عن طبيعة الأجوبة التي كانت تأتيك من هناك، فتجعلكَ ممتلئاً.

من قتلَ ناجي العلي؟ تسألُ ثم تكملُ: ولماذا اختارَ الكويت ليرسم منها حنظلة، الكويتُ التي كان الطريق إليها يمثل علّة الموت في «رجالٍ تحت الشمس» لغسان كنفاني. ولماذا أدار ظهره للعالم؟ وما الذي حل برسوماته على جدران السجون التي حملها معه؟ لعلكَ كنتَ تريد أن تتهم كنفاني بقتله، كنفاني صاحب جريدة الحرية التي نشر فيها ناجي أولى رسوماته. أعرفُ أن كنفاني اغتيلَ أيضاً وقبله بسنوات، ولكن الزمن لم يكن يعني لشخصٍ مثلك.

هل كان سعد الله ونوس جاداً في حديثه عن الأمل، هل كان عليه أن يعاند العالم الآخر فيرسل له صندوقاً بريدياً لمرض السرطان؟ ثم ما الذي كان يفعله العالم قبل أن يُوجَد الشرق الأوسط؟ وأين كان الزعماء وقتها يقضون أوقاتهم؟

لماذا لا تختار الوسط؟ سألتك يوم أضاءَ وجهك وأنت تسمع هتاف الناس في الشوارع، أعترفُ أنني أردتُ أن أربككَ أنا المليء بالمنطلقات النظرية والحزبية، وأنت المنتمي إلى السماء. قلتَ لي وقتها إن الوسطَ مكانٌ لا يليق بالشعراء، الوسطُ مكانٌ يزجّ بنا في لوحةٍ واحدة، فتضيع ملامحنا وتلافيف التجارب القاسية، الوسط مكانٌ يضيع فيه الموت، وتصبح الحياة نقطةً واحدة.

ها أنت الآن في رحلتك، وقد اخترت أن تكون بعيداً هناك. أفرجوا عن جسدك يا صديقي، فالزيتون في حصاده فارغٌ من كل نقاط الزيت، عارٍ من الخضرة، مقهوراً يتابع نشرات الأخبار على عجل، ويلتقط أنفاسه عند تعداد الأموات على شريط الموت العاجل. هادئٌ لا يئن حين يأكلُ الدود أقدامه المتعبة، ويأكل هو ما تبقى من جذوره كي ينمو هزيلاً محدودباً، ويعتقد في غيبوبته أن البرميل أشدُّ فتكاً من لونه الداكن، ومن مقصلة المعصرة ومكبس «البيرين».

المفتقدُ لطعم «المخلوطة والبصل»، المتألمُ لأن «الفليفلة الحمراء» صارَ لها طعم الحِداد في جوفه البارد. تُحرّكُ الريحُ ذوائبه المغبرة، فيعرش على نفسه كقنفذٍ ويحتفظ بظلاله لقلبه المشتعل،  يبحثُ بنفسه عن أوراقٍ وجذورٍ جديدة وألوانٍ لا تشبه وجوده، وعن مرارةٍ يملؤها كي يعيش طويلاً. لن يقبل بطعمٍ آخر، لن يصبح كرزاً أو تيناً أو شتلةً بندورة.

تباً لك، كنتُ أقولها دوماً وأنا أبحث عن الأجوبة الغبية لتلك الأسئلة التي تبدو غبيةً أيضاً، لماذا أشغل نفسي بترهاتك دوماً؟!

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*