أشكال ألوان| الإتجار بالنساء، بين ديمستورا وجونية

لا بدّ لمن يتابع الشأن النسوي في سوريا، من أن يصاب بلوثة في عقله جرّاء ما سيلحظه من ازدواجية وتناقضات في الشأن السوري عموماً، والنسوي على وجه الخصوص.

فالأخبار القادمة من جنيف تتحدّث عن استشاريات واختصاصيات، وعاملات في المنظمات الأهلية، وفي المقابل نسمع في الداخل عن طواقم دفاع مدني، وجهاز شرطة نسائي في محافظة إدلب.

والسؤال هنا، ما دمنا قد وصلنا لمرحلة متقدّمة من التمثيل النسوي، وبتنا قادرين على طرح قضيتنا من وجهة نظر نسوية، بمعزل عن الظرف السياسي والاجتماعي والاقتصادي إذن، لماذا يتم امتهان كرامة المرأة السورية، والزجّ باسمها في شبكات إتجارٍ بالبشر؟!

لست هنا للحديث عن المواقف السياسية للسيدات المتواجدات في مجلس «ديمستورا»، الذي انصبّ جلّ اهتمامه (وأعني ديمستورا) على الإمعان في تفتيت المجتمع السوري، سعياً لاستكمال الخارطة التي رسمها المجتمع الدولي لسوريا، والتي تنمّ عن جهل بحجم التنوّع والتعددية اللذين يميّزان الحالة السورية عن سواها!

كانت آخر هذه الخطوات لتفتيت المجتمع السوري، هي تشعيب القضايا النسائية، وفرض نوع من المعالجة بعيد كلّ البعد عن تطلعات النساء السوريات؛ فالطروحات التي طرحتها النساء في المجلس لا تتناسب مع ما يفترض أن يكون دورهنّ الأساسي، من حيث تمثيل قضايا المرأة؛ أياً تكن هذه المرأة، فهي غير معنية في حال من الأحوال بفكّ الحصار عن النظام، ما لم يقترن فكّ هذا الحصار بتسهيل دخول المواد الإغاثية للمناطق المحاصرة، من قبل أيّ من الجهات، ما الذي يعني المرأة في دخول الإسمنت؟ والأهم من ذلك، هل بيننا من تجهل –ومنذ ما قبل وثائق باناما المسرّبة- أن النظام لن يتأثر بأي نوع من العقوبات الاقتصادية، بسبب استطالاته المافيوية في شتى بقاع الأرض، وأن الخاسر الوحيد هو الشعب الذي سيدفع ثمن انتمائه المطلق لبلاده، أضعافاً مضاعفة؟!

باتت المرأة المتواجدة داخل سوريا اليوم، تنظر إلى النساء المتواجدات في الخارج، تحديداً ممن انتسبن لمؤسسات المعارضة، من ائتلاف، وحكومة مؤقتة، ومجالس محلية، ومجلس ديمستورا الأخير، وسواها من المؤسسات والمبادرات، على أنهنّ منفصلات عن الواقع، ولا يكترثن لظروفهن القاسية داخل البلد، الأمر الذي سيعقّد القضية السورية من الداخل، ويكسب النظام المزيد من الوقت للتخلص من معارضيه، بل وسيكسبه المزيد من الشرعية أمامهم في حال فكّر رأس النظام في الترشح لانتخابات رئاسية؛ ستتم قراءة الموضوع برمته على أنّ الكل يسعون نحو الكراسي، ولا أحد يعبأ بالشعب، وأن المعارضة لم تفلح في تقديم النموذج الأفضل!

وبالمقابل، فإن هذه المرأة باتت مقموعة من الداخل، فالمناطق التي تسيطر عليها فصائل الجيش الحر، هجرها المدنيون واضطروا إما لمغادرة البلد، أو اللجوء إلى مناطق النظام، وفي كلا الحالتين خسرنا أصوات نسائهم اللواتي لم يعدن قادرات على الإسهام بأي نشاط مدني، أو فعاليةٍ أهليةٍ تعيد للحراك الثوري رونقه، وتصرف عنه شبح التطرف، فمقوّمات تعافي المجتمع، تقاس بفعالية الحراك المدني فيه، ومدى تفاعل المرأة مع هذا الحراك.

أما في مناطق تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، فقد باتت هناك دوريات شرطة نسائية، تراقب حركات النساء وسكناتهن، وتلزمهن بلباس معيّن، وتعدّ عليهن أنفاسهن، ولا مانع من تنفيذ عقوبة الجلد أو الرجم وتشويه السمعة، كي تبقى هؤلاء النسوة تحت رحمة سجانيهن.

أما النساء خارج سوريا، واللواتي يُقدَّمن للمجتمع الدولي، فهنّ عبارة عن قائمة من الأسماء، لا تتجاوز المائة امرأة، من أصل مليونين على أقل تقدير؛ تجدهنّ هن أنفسهن، في الشبكة السورية للمرأة، والائتلاف، والحكومة المؤقتة، والمرشحات لحضور جنيف وفيينا، والموقعات على كلّ المبادرات، حتى بات صوت المرأة المتواجدة خارج الأراضي السورية، خافتاً أكثر من أصوات أولئك المتواجدات في الداخل، رغم الظروف المزرية التي يعانينها!

كلّ هذه التشكيلات، لم تفكّر في مشروع حقيقي لاحتضان النساء المتواجدات في المخيمات، والوقوف على طبيعة المآسي التي يعانينها، واقتصر نشاطهن على تقليد «أنجلينا جولي»، ولكن في زيارات بروتوكولية، قبيل أي استحقاق، كتشكيل حكومة مؤقتة، أو توسعة الائتلاف أو ما شابه، جرياً على العادات التي خلّفتها تركة النظام الثقيلة، والتي لم تفلح مؤسسات المعارضة في الحياد عنها مليمتراً واحداً.

لقد اقتصر نشاط السيدات في هذه المؤسسة أو تلك، على حضور الورشات التدريبية، ليصبحن قادرات على توزيع شهادات «التقدير والتفوق» على من يشاركون في أنشطتهن، ثمّ يتصدرن المشهد في جنيف ليلتقطن صوراً بلهاء، وهن بكامل «بريستيجهن الاجتماعي» كما لو أنهن في حفل تعارف، متناسيات أنهن في جنيف ليتحدّثن عن أمهات ثكالى، وأرامل، ونساء شهيدات، ومغتصبات، وضحايا شبكات إتجارٍ بالبشر!

إن تمثيلاً كالتمثيل الهزيل لنساء سوريا، لا شك سيسفر عن ظهور شبكات وشبكات شبيهة بشبكة جونية، فتلك المرأة المنسية على قارعة الطريق، على مدى خمسة أعوام، ستكون بلا شك عرضةً لأقذر أنواع الاستغلال، ولكنها لا تملك من أمرها شيئاً، أما «نساء ديمستورا» فهن مُستغَلَّاتٌ بإرادتهن، وما من مبرر أو مسوغ للتعاطف معهن!

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*