أشكال ألوان| الخط الأعوج، من المحرر الكبير!

تحتدم المنافسة في ما يصطلح على تسميته «بالعالم الحر» على الفوز بأسمج نكتتين بين «حرية الصحافة» و«حقوق الإنسان». ومع التفوق المادي الهائل لوسائل الإعلام، فإن «حرية الصحافة» تكاد تحسم المنافسة لصالحها، لولا بعض الانتفاضات والهجمات المرتدة لـ«حقوق الإنسان»، والتي كان أهمها قضية اللاجئين العالقين في اليونان.

في عالم الصحافة الحرة، في العالم الحر، يمكن للمراقب الحيادي البسيط، المختبئ تحت أنقاض منزله في الرقة، أو الراكض هرباً من برميل في حلب، أن يستمع أو يقرأ ما يَرِدُ في كبريات وسائل الإعلام العالمية ليعرف أنه الإرهابي المقصود بهذا القصف، وقد يتملكه شعور عميق بالذنب لأنه لم يمتْ بعد، مع الامتنان العميق لحرية هذه الصحافة التي ما كان ليعرف لولاها أي إرهابي هو، وأي فراخ إرهابية تكبر في حضنه على هيئة أطفال أبرياء.

في عالم الصحافة الحرة، ستنتشر مقاطع كـ«فيديو أبو صقار» الشهير، لتخبر العالم «الحر» عن الفظاعات التي يجهزها السوريون لسكان الكوكب المسالمين، وسيرى العالم كله إصدارات داعش الاحترافية. لكن مقاطع التعذيب المرعبة المسربة من سجون الأسد ستكون مشاهد قاسية، يمنع عرضها، لأنها لا تتناسب وأخلاق المهنة.

تستقبل الصحافة الحرة بشار الأسد، وتعطيه ساعات من وقت بثها، ليشرح للبشرية الفرق بين الأسلحة المستخدمة في جيوشه وأواني الطبخ، وليعرف متابعوا هذه الصحافة الحرة أنّ مجموعة إرهابية صغيرة، لا تتجاوز المليون إنسان، من كل الأعمار، قد تم التخلص منها بكفاءة لا نظير لها، وأن هناك مجموعة أكبر منها بقليل – حوالي الخمسة ملايين – يجب التخلص منها، بمساعدة العالم الحر، ذي الصحافة الحرة بطبيعة الحال.

تلعن الصحافة الحرة القحط والجراد والسيول والمجاعات، وتدين التصحر والتلوث، لكنها حرة تماماً بما يكفي لتجاهل مئات الأطنان من القمح التي ترمى في البحار، وشركات النفط.

ترفض الصحافة الحرة بثّ أخبارٍ أو أفكارٍ محرضة على العنف والطائفية والعنصرية، وتركز بالمقابل على تحرش لاجئ أسمر بفتاة شقراء. ولأنها حرةٌ تماماً فهي تكتفي بالتلميح لجنسيته المتوقعة، تاركةً القرار للمستمع الحر المنيع أمام هذه الإيحاءات!

تتحدث الصحافة الحرة مطولاً، وبكل حرية، عن فظائع الحروب في الدول المتخلفة، عن الإرهاب، والميليشيات، عن تجنيد الأطفال، عن الديكتاتوريات والتطرف الديني. وحين يصل البحث إلى من يزود كل مرتكبي هذه الفظائع بالسلاح، يكون وقت العمل قد انتهى. ولأنها صحافة «حرة» فهي لا تستطيع فرض ساعات إضافية من العمل على صحفييها «الأحرار».

تكتمل أركان سماجة نكتة «حرية الصحافة» بردات فعل «مراقبي حرية الصحافة»، الباحثين في بلادهم عن مستوى لا يقل حرية عن الصحافة العالمية. فيصبح منشورٌ «طائفيٌّ» يكتبه شخصٌ، ويشاهده بضعة آلاف في أحسن الأحوال، سبباً –وليس نتيجةً أبداً– لكل الاحتقان الطائفي والقصف العشوائي. أما بثّ مشاهد من مناطق يقصفها النظام السوري على أنها مناطق تقصفها المعارضة على قناة كالـbbc يشاهدها عشرات الملايين، فهو خطأ مهني، يكفي كتابة بضعة أسطر عنه كاعتذار في موقع القناة لتداركه. وتزداد النكتة كآبةً بتصريحات موظفي ومدراء وسائل إعلامية أقل من محلية، ممولة من الغرب «الحر» بإشراف مؤسسات إعلامية «حرة» عن «حيادية» و«مهنية» و«حرية» هذه الوسائل. مبررة كل التفافاتها، وصياغاتها المسمومة، وانتقائية أخبارها، وحتى ضحالة العامين فيها بشماعة لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا ومن خلفها: الخط التحريري. فيكتب المحرر الخبر، ويدققه رئيس التحرير، ويوافق عليه مدير المؤسسة، المتفق –يا للمصادفة السعيدة– مع الممول في رؤيته، ويُنشر الخبر المشبع بالإفك، المحمي بحصانة «خط التحرير»، ليأخذ المثل الشعبي عمقاً ثقافياً إعلامياً جديداً: الخط الأعوج.. من المحرر الكبير!

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*