أشكال ألوان| رسالة إلى السيد ديمستورا

عزيزي السيد ديمستورا

بلغني مؤخراً أنك تغيبت عن حضور المفاوضات، بسبب انشغالك بشأنٍ عائلي، هنيئاً لك، لأنك على ما يبدو لا تعاني من فكرة العبور من بلدٍ لآخر.

هذا أول الاستنتاجات التي خطرت في ذهني، عندما ذكر الخبر في أحد النشرات الإخبارية بشكل عرضي. فرصةٌ للتفكير وجدتها، وبدأ الخيال يسرح في تفاصيل أكثر.

ترى هل لديك أطفال؟

لنفترض أن لديك طفلاً أو طفلة، هذا يعني أنك تستطيع أن تجلب لهم بعض الهدايا من كل بلد تزوره، ولربما من دون تفتيشٍ أيضاً.

في آخر عبور شيّقٍ لي خسرت كيساً صغيراً من الدواء كنت قد وعدتُ أمي أن أجلبه لها، لكن أحد عناصر الجندرما رفضَ ذلك وأتلفه.

لا بأس، وعدتها خيراً، فأنا قادرٌ على فعل شيئاً ما، لأنني أعرف بعض الأشخاص الذين يستطيعون العبور مثلك تماماً، بثياب نظيفة، وحقيبة ذات عجلات، وممر طويل في آخره موظف بابتسامة وختم، وعبارة ترحيبية.

أحببت أن أشاركك بعض أحلامي، هل تعلم يا سيدي أني حلمت بالمطار؟ لم يكن يهمني البلد بقدر ما كنت شغوفاً بالتفاصيل! أرضٌ لامعة، ودورٌ منتظم، وحقيبة فيها بعض الهدايا والقليل من الثياب، ووثيقة تثبت أني هنا، وهنا أقصد فيها أني أشعر بوجودي لا كرقم، كما يفعل معي المهرب عادة، بل كشخصٍ يستحق أن يسحب خلفه حقيبه ومعطفه مرخي على يده.

لا تقلق عزيزي، فهي مجرد تفاصيل لا يقف عندها كثيرون كما نفعل نحن، استنتاجٌ آخر في زحمة الامنيات التي خطرت في بالي.

أكاد أجزم يا سيدي، أنك لم تخلف وعداً، فجملة «حسب الظروف» ليست في قاموسك على الأرجح.

آخر مرة وعدتُ فيها أحدهم، كان الوعد لنفسي بأني سأتقن الإنكليزية، لكن حقيبتي لم يكن لها عجلات. وكل ما أنجزته كان «am, is ,are» ليس لأني لا أحب التعلم، على العكس، فأنا مجتهد جداً، وأحمل في جوفي إصراراً على إسقاط نظامٍ قمعي! لكني لا أعرف أين أنا الآن، لذا فإنّ الموضوع تأجّل قليلًا «حسب الظروف»!

هل تعلم أني أحاول الكتابة بسرعة؟

سويعات فقط وتنقطع كل المولدات التي نحصل منها على طاقة، لذا يجب إنجاز ما نفعله بسرعة، ولك أنت هنا أن تستنتج الكم الهائل من الأشخاص الذين يتحكمون بحياتي.

قبل بضعة أيام أنجزتُ نصاً متواضعاً، محاولًا التوفيق مع ساعات الكهرباء المحدودة، ولازلت أنتظر الرد، ومع عدم وصول الردّ، علمت حينها أني مجرد متطفل يحاول أن يفعل شيئاً ما.

أخبرني يا عزيزي.

هل وجدت نفسك في يومٍ ما أمام خيارٍ واحدٍ أخير؟ بالطبع لا، والإجابة لا علاقة لها بسيرتك المهنية، وكم الملفات التي تعاملت معها.

هل تخيلت أن يتم عزلك عمّا تفعله الآن؟!

لا مشكلة عزيزي لا تقلق، فأنت تجيد الإنكليزية، كما أن ثيابك نظيفة، وحقيبتك جميلة وذات عجلات، لذا ستجد من هو مهتمٌ بالعمل معك.

أحاول طمأنتك هنا، فهذا ما أفعله مع أصدقائي، حتى أنّ آخر شخصٍ قدمت له نصيحة مشابهة، لازال يحمل حقيبته منتظراً وعدي بأن القادم أفضل!

تذكرت أمراً هاماً؛ سأخبر صديقي المنتظر، أنه ليس وحيداً، كل السوريون مثلنا ينتظرون. فإحدى الدول قد وعدت بأنها ستساعد، وبالفعل فقد حدث، واحتفلنا مؤخرأ بوفد دخل إحدى المناطق المحاصرة، خاوي اليدين.

لا بأس، فلربما كان ما قدموه هو الأمل لا أكثر، وبهذا أستطيع أن أصنف الأمل على أنه جريمة حرب!

سؤالٌ وحيد يا سيدي، لم أستطع استنتاج إجابته:

ترى كم استغرقتْ رحلتُك؟ وهل هناك من حواجز على الطريق تسألك من أنت؟!

لا… لا أعتقد، فهم يعرفون من أنت، ولابدّ أنهم رأوك مراراً على التلفاز.

هل تعلم أني ظهرتُ على التلفاز مراراً، لكني لازلت أخاف الحواجز؟!

حيناً أُضطرُّ لإخراج ابتسامتي بدلاً عن هويتي، لا تجرب فعل هذا إن سئلت يوماً عمن تكون أنت، قل لهم فقط! فآخر ابتسامة أبرزتُها كلفتني 3 أيام من البرد، حينها كان سؤال المحقق لي شو أسمك؟! ابتسمتُ لأن هويتي كانت أمامه!

لا تقلق، فألم الرأس لم يعد متواصلاً، صار يأتي ويذهب مع الابتسامة وحسب.

هل تعلم أني ما زلت أبتسم؟! ألم اقل لك أني أحمل بعضاً الإصرار؟!

بلغ عائلتك تحياتي، فهم الآن فرحون بقدومك، وأستميحك عذراً في طلبي بأن لا تتأخر.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*