أشكال ألوان| بين الثّريّا والثّرى

تقتضني المقارنة نوعاً من الشبه أو التقارب، وتتضمن في ذات الوقت نوعاً من الفرق أو الاختلاف أو التباين، ما يجعل المقارنة ممكنةً ومعقولةً بين شخصين أو ثقافتين أو نظامين أو دولتين. إذن يمكن فهم المقارنة في إطار ما هو نسبي اختلافاً أو ائتلافاً، افتراقاً أو التقاءً، اقتراباً أو ابتعاداً. لكن ماذا لو كان الفرق هائلاً وباعثاً على الصدمة من قبيل الفرق بين الثرى والثريا، حينذاك تصير المقارنة مثل (لو)، حرف امتناعٍ لامتناع.

ربما كان السؤال مشروعاً عن أهمية هذه الفكرة وضرورة مثل هذا الكلام، وفي الحقيقة فإنني غالباً ما سألتُ نفسي: هل يجوز أن أقارن بين دولة مثل سوريا لا تشبه الدولة إلا كشبه الفيل بالنملة، ودولة مثل النرويج، أو هل يحق لي أن أحلم بإمكانية المقارنة يوماً ما، فيما تبقى من سنوات العمر؟

يقول الخبر الذي نقلته إذاعة مونت كارلو الدولية، إن طائرة نرويجية مقاتلة من طراز F16 قد أنقذت مريضاً نرويجياً كان يعاني من قصورٍ في وظائف القلب والجهاز التنفسي، عندما تدخلت لنقل الجهاز المطلوب لمسافة 450 كم حيث المستشفى الذي يرقد فيها المريض المذكور. عندما سمعتُ الخبر قلت لنفسي: في النرويج، عندما تقتضي الحاجة يتدخل سلاح الجو لنقل تقنية طبية من أجل إنقاذ حياة مريض، وفي «دولة» مثل سوريا يتدخل سلاح الجو لإنقاذ هيبة القاتل، بإلقاء براميل الموت على المواطنين، أليس في ذلك ما يدوّخ العقل ويعقد اللسان؟

انتابني إزاء ذلك الخبر شعورٌ متناقض بين الفرح والحزن، فرحت لأن شخصاً يمت لي بصلة الإنسانية قد تم إنقاذ حياته من الموت، وغمرني حزنٌ عميقٌ حين فكرت بمئات الآلاف الذين يقتلهم طيارو بلادي دون أن يرف لهم جفن، وأعادني الخبر ذاته إلى سنواتٍ خلت عندما كان أخي الأكبر مريضاً، ربما بمرض ذلك النرويجي نفسه (قصور في وظائف الجهاز التنفسي ومشاكل في القلب). أخي كان قد أعتقل في سجن المزة لأكثر من ثلاث سنوات، جزءٌ كبير منها في زنزانة منفردة، وبحكم الشروط اللاإنسانية أصيب بالتدرن الرئوي (السلّ)، الذي كان سبباً في الإفراج عنه، لكنه أيضاً أسّسَ لتداعياتٍ انتهت بعد صراع طويل مع المرض، إلى رحيله عن العالم.

أتذكرُ أنه في إحدى المرات، حين بلغت حالته درجةً كبيرةً من الحرج، وبات نقله إلى دمشق أمراً ملحاً (نعيشُ في محافظة الحسكة التي تفتقر إلى أبسط الخدمات). ولأنه غير قادر على الوقوف والحركة، احتاج الأمر أن يتم النقل بسيارةٍ مجهزةٍ ببعض المعدات الصحية وبمرافقة ممرضٍ أو أكثر، لكن السيارة في الحقيقة كانت أشبه ما تكون بسيارات نقل الموتى. مع ذلك احتاج الحصول عليها لتدخلِ وساطات، وفي نهاية المطاف تم نقل أخي إلى مستشفى الأسد الجامعي بدمشق.

ربما كانت المقارنة بين أخي وذلك النرويجي تحتمل شبهاً لجهة المرض وطبيعته، لكن فرقاً عظيماً وقع بينهما على مستوى الرعاية والعناية والاهتمام، إنه الفرق عينه بين دولتين، وللدقة هو الفرق بين دولة ولا دولة.

في حالة النرويج، انبسطَ البعد الإنساني في الدولة، وبالتالي فإن ما حدث ليس مجرد أخلاقٍ فردية تستحق الثناء، بل هو تجلٍ لروح الدولة الذي ليس سوى الروح الإنساني ذاته وقد تعين في الدولة، وبهذا المعنى فلا شيء أهم، بنظر هذه الدولة من الإنسان، فرداً كان أم جماعة.

أما في حالة سوريا التي تستمد فيها اللادولة اسمها من اسم القاتل، فهي دولة للطغيان والقهر والغلبة، وإذن فمن غير المعقول أن تمد يد العون والرعاية لمواطنيها، هي فقط تمد لهم يد الموت. وذلك هو الفرق بين الثرى والثريا.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*