أشكال ألوان| تطريزٌ فوضوي على سنواتٍ خمس

واحدٌ وعشرون عاماً، هذا ما عشته في سوريا. لم أغادر البلاد قط طوال هذي السنين القليلة الكثيرة، لم أزر كثيراً من محافظاته القليلة، أعرفُ حلب والحسكة وبعضاً من دمشق، بالإضافة إلى الميادين، مدينتي الصغيرة في ريف دير الزور. لا أعرف قلبَ مدينة دير الزور، بل حفظته من نشرات الأخبار والمواد الإخباريّة. زرته مرّاتٍ قليلة، للتعزية وتسيير أوراقٍ من دوائر حكوميّة. أعرفُ إدلب أيضاً، فأن تدرس في جامعة حلب يعني أن تعيش في إدلب، بلهجات أبنائها المتنوّعة، بصخبهم، بصدقهم ومزاحهم، ودماثتهم. أمّا مدن وقرى الوطن الأُخرى فتعرفت إليها على مرحلتين، الأولى هي المظاهرات، والثانية هي المجازر، بشار الأسد كان الواسطة في المرّتين.

كانت الثّورة بالنسبة لي نقلةً نوعيّةً في كلّ شيء، جاءت في المرحلة العمريّة الأشد ترسيخاً للقيم والسلوك والميول حسب علماء النّفس، احترامي للناس صار مرتبطاً بموقفهم حيال الثّورة، نازعتني نفسي كثيراً في السّنتين الأوّليّتين من عمر الثّورة، كنت أجدني علمانيّاً وشيوعيّاً وإسلاميّاً ولا أدريّاً وملحداً وطائفيّاً ومتسامحاً وشعوبيّاً وقوميّاً ومتعصباً ومنفتحاً، ومتناقضاتٍ أُخرى في يومٍ واحد. نشرة الأخبار كانت كفيلةً بكلّ ذلك، هتفتُ في المظاهرات لوحدة الشعب السوري، وردّدتُ خلف الهتّافين مطالباً بإبادة العلويّين. ضربني الأمن بالعصيّ، وضربته بالحجارة، كان يخيفني الاعتقالُ أكثر من الرّصاص. حملتُ أشلاءً لناسٍ أعرفهم وآخرين لا أعرفهم، بكيتُ كثيراً خلال هذه الثورة المقتلة، ككلّ السّوريّين.

في المظاهرات تعلّمت الشّتيمة التي لم تكن من شيمي، عندما يُطلق عنصر الأمن عليك الرّصاص، فأوّل ما يأتي على لسانك هو أن تصرخ مع الجموع الغاضبة في وجهه «كس أمّك». أمُّ الرّئيس كانت أوّل امرأةٍ أشتمها خارج قرارة نفسي، لا أندم على أيّ تفصيلة، كلّهنّ كنّ جزءاً من صيرورتي، أندم فقط على أنّي هتفت لحياة العرعور.

كلّنا مُتخمٌ بذكريات السنوات الخمس المُنصرمة، ولكن، علّ علاقتي بالنّاس هي أكثر ما يشغلني هذه الفترة، لم أكن أتخيّل أنّي أعيش في وطنٍ فيه هذا الكمّ من المجرمين، هذا القدر من التّعطّش للدّماء، سيل الحقد هذا، الطائفيّة بكلّ صورها. نتقاسم الوطن مع أولي براميلَ وقذائف وصواريخ متنوّعة ومتفجّراتٍ ورصاص وعبواتٍ ناسفة وأسطوانات غازٍ متفجّرة وسيّاراتٍ ملغومة بعدد أهل الصّين. من كان يتوقّع أنّه يعيش في وطنٍ يتقن بعض أبنائه فنّ الجريمة إلى هذا الحد! قديماً كنّا نتقاسم الوطنَ مع أبناء الجريمة من وطننا، وبالأمس كنّا نتقاسمه مع أبناء الجريمة من إيرانيّين ولبنانيّين وعراقيّين وأفغان، اليوم صار الوطن لأبناء الجريمة من شتّى الجنسيّات، لهم وحدهم، وخرجنا من حصّتنا التي كانت في أبهى صورها حرماناً وخنوعاَ ومذلّة، كنّا ذليلين في الوطن. أوّل لحظة ذلٍّ في حياتي كانت بتوقيع شرطة الأسد، وكان عمري ستّة عشرَ عاماً، شرطيٌّ يريد اعتقالي لأنّي أجلس على المقعد نفسه مع فتاةٍ لا تجمعني بها قرابةٌ في حديقةٍ عامّة. حُلَّ الخرق الوطني بمئتي ليرة، كم أذلّتنا هذه القاذورات! هذا المشهد في ذاكرة معظمنا، تكرّر مع جلّ أصدقائي في حدائق حلب العامّة.

يقولون إن تقادم السنين كفيلٌ بالنّسيان، أنا لن أنسى ما حييتُ الصفعة التي تلقّيتها من شبيحٍ في معبر الموت «كراج الحجز» بحلب، ضربني أمام خمسة آلاف انسانٍ لأنّي أخبرته بضرورة عبوري من شرق المدينة إلى غربها لتقديم امتحان المادّة الأخيرة في دراستي الجامعيّة، فكيف لمن فقد أهله وأولاده وبناتِه وبيته وأصدقاءه وحياته وأشياء كثيرة أن ينسى، اليوم، «محكومون» بالحقد نحن يا سعد الله ونّوس، وهذا أبسط حقوقنا.

التّعميمُ صفة الجاهل، هكذا يقولون أيضاً، أعترف أنّي مذ كنتُ صغيراً أكره إيران بكلّ ما فيها ومَن فيها. «علي دائي» كان دافعَ الكُره الأوّل، أهدافه كانت قدرَ مرمانا في كلّ موقعةٍ جمعت منتخبنا الكروي بالمنتخب الإيراني. ألفُ علي دائي في كلّ موقعةٍ اليوم، ورؤوس أطفالنا أهدافهم، ومرمانا بلا قوائم ولا عوارض. لكن المؤسف أنّ ثمة سوريّين يصفِّقون لعلي دائي بعد كلّ تصويبة، ومنهم شعراءُ حب.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*