أشكال ألوان| شيزوفرينيا

ليس من السهل على شخصٍ مثلي أن يكتشف أنه، وكأغلب من حوله، يعاني مما يسمى «شيزوفرنيا الحرب».

ليس أمرًا طبيعيا أبدًا، مع أنه من الطبيعي في الحروب أن تكون هناك أضرارٌ رئيسية وأخرى ثانوية، ناهيك عن الفوضى. لكن غير الطبيعي هذا، طبيعيٌ، فالحرب أصلًا خروج عن الطبيعة (هل هي كذلك فعلًأ؟!)، من هنا بدأ الفصام.

مصطلحات الأطباء مخيفةٌ طبعًا، لكن أن تكتشف الأمر بلا أقل معرفة بعلوم النفس، فذلك يعد ضربة قاصمة لما تبقى من العقل، إن كان لايزال ثابتًا مع أول ضربة لمدفعٍ تسمعها من جوارك، ثم تتخيل طريق القذيفة وسرعتها وتسارعها ومتى ستهبط كدرس الحركة في الفيزياء (أيام البكالوريا). إلا أن هذه القذيفة ليست مسألة، إنها قذيفة، وستنزل، وكعادة القذائف وطبيعيتها فإنها ستنزل فوق شيءٍ ما، متحركٍ أو جامد.

  • لقد مات أحدٌ ما حتمًا.

تطرق خجلًا من معرفتك الحقيقة. وتحاول أن تمسك لسانك وتخرجه من سجنه كي يصبح أطول أطول وأطول، علّك تستطيع الكلام والكلام على الأقل.

  • هذا أضعف الإيمان

ترُد بوجه من هم حولك من العائلة، الذين يضعونك في خانة المهملات «مين سامعك، مش شغلتك هالشغلة، بلا كثرة حكي»

ويحتدم عمل رأسك في معادلات الفيزياء كالتالي:

القذيفة سريعةٌ شرقاً، وهناك بلدة بعيدة 3 كيلومترات، تضم 10000 شخص على الأقل، ووزن القذيفة 16 كيلوغراماً، كم شخصًا سيُقتل إذا كانت القذيفة معبأة بـ 40 سنةً من الحقد؟

تأخذ المسألة وتحاول الاتجاه إلى أقرب أستاذ فيزياء، فالمسألة معقدةٌ يا أخي!

  • الأستاذ مطلوب إلى الخدمة الاحتياطية.

ماذا أفعل أنا الآن؟ كيف سأجيب عن هذه المسألة؟! يخطر في بالك الحل السريع بثلاث خطوات.

  • قرار جريء.

  • كتابة اسم الأستاذ على لوحة كرتونية.

  • الاعتصام والمطالبة بالأستاذ.

توافرت كل العوامل الذاتية والموضوعية لك كطالبٍ ثانوي لهكذا خطوة، واتجهتَ مع زملائك الذين يحتاجون للحل نفسه والأستاذ نفسه، إلى الشارع للمطالبة به.

هكذا شرح لي طالبٌ قصةَ اعتصامه، وهو يلومني على عدم المشاركة. وفي لحظةٍ واحدة، عادت إليّ الـ شيزوفرنيا، وبدأتُ أشرح له أنّي مدانٌ سابقاً بجرائم إرهاب، وهذا يعني أني إذا وقفت إلى جانبهم قد يُتهمون بما اتُّهِمتُ به، وأخبرته في اللحظة نفسها أني لا أريد أن يتم أخذي مرةً أخرى إليهم، وأن هذا سيجعلني أقتل نفسي قبل أن يحصلوا عليّ، ولهذا أنا أكفُّ الشر، ولا أحاول الاشتراك في لهيبكم الذي هو لهيبي أصلًا.

يا أخي مخلفات الحرب صعبة، وأنتم عليكم أن تكونوا صوتنا الجهوري يا شباب.

وفتحتُ صفحة التواصل الاجتماعي لأجد اللون الأحمر يملؤها، لوّنت نفسي أيضًا، واحتقنتُ ومددتُ لساني أطولَ قدرٍ ممكن.

«شو فهمك بهالشغلة أنت، مين سامعك إسا؟!».

القذيفة، الطالب، أنا، مَن حولي. وأشياء كثيرة تؤكد، وبحتمية تاريخية ومادية ديالكتيكية غير قابلة لأي نوع من التأويل، أن الأمر طبيعي، وأنا ككل هذه البلاد الباكية أمامي، أتمتع بمرضٍ عضال، وهو قصر اليد واللسان! ولا دخل للـ شيزوفرنيا بالموضوع. ولكن الفصام حقًا أن أرى القاتل ثم لا أقتله بكلتا يدي.

هذا هو الفصامُ الحقيقي.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*