أشكال ألوان| طريق الجنة المزروع بالألغام

ألف سؤال وسؤال، تفتحُ البابَ عليهم تلك الصور المبعثرة في مدارات الذاكرة، تفتحُ البابَ لهم وتتركه موارباً لسيل الذكريات الدفّاق، وتتركنا نهباً لأوجاع حاضرٍ مضنٍ يُعيي العقل والروح معاً.

تتوالى الأخبار من حلب، نازحون فارّون من الموت ملتجئين إلى تراب عفرين، التي لطالما كانت متنفساً لهم.

حين كنتُ طالبة في المراحل الدراسية الأولى، كانت مناطق عفرين وميدانكي، وبجانبهما معسكر الطلائع في قرية كفر جنة، النبيهوري وقلعة سمعان، هي المناطق المتاحة للرحلات المدرسية.

كانت هي ذلك الملاذ الأخضر الذي نلتجئ إليه هرباً من قيظ الصيف في حلب.

أولئك النازحون، لطالما ذهبوا سياحاً إلى عفرين والمناطق المجاورة، لطالما خبأوا رصيداً من الأحلام تحت أشجار زيتونها، ولعل أسماك نهرها قد حفظت أصوات ضحكات كثيرين منهم.

هؤلاء أنفسهم باتوا اليوم بحاجة لاستعادة الرصيد، ليكون زاداً لهم في رحلة عبور البرزخ، نحو عوالم جديدة، تاركين خلفهم بيوتهم المهدّمة، وأرواحهم المتكسّرة على نصال الذكريات.

عقد الزيتون الأخضر الذي يزيّن جيد حلب، ويلتحم مع زيتون إدلب، عابراً الجبال الخضراء البكر التي لم تعبث بها أيدي المستثمرين، فتركتها بعفويتها وجمالها الأثير، وحفظت لأهلها عفويتهم وبساطتهم، وتلك الروح الريفية التي تنطلق على سجيّتها لأناس يحزنون بصدق، ويفرحون بعفوية. يغضبون لأبسط الأسباب، ويتصالحون لأسباب أبسط من تلك التي اختلفوا بسببها. غير أنّ ما يجمع سكان هذا الكوكب الأخضر، الممتد بمحاذاة الحدود التركية، أنهم ورثوا من تراب زيتونهم ذلك اللون الأحمر القاني الذي يحملونه في قلوبهم، وورثوا من الجبال صلابتها وحدتها، وجبروتها، ولم يتمكنوا أبداً من أن يتحلوا بدماثة أهل المدن!

هذا الطريق، سلكته مرّة أخرى، ولكن هذه المرة ليس للجلوس بجانب سكة القطار في كفرجنة، ولا لزيارة قلعة سمعان وتناول الغداء في ميدانكي.

يومها دعيت إلى أمسية قصصية في المركز الثقافي، حيث وجّهت لي الدعوة برفقة الأدباء الذين شاركوني الأمسية إلى تناول العشاء في منزل رئيس المركز الثقافي؛ كان المدعوون يومها ممن يعتبرون أعيان البلد، وكانت القبضة الأمنية قد بدأت تطبق على أعناق المثقفين الذين توسموا خيراً في ربيع دمشق.

الأحاديث التي تخللت طعام العشاء، لم تحد سنتيمتراً عما يقال في الحلقات الحزبية، ذلك الحديث الذي يدعو للتثاؤب، والتخوين لكل من ينال من «هيبة الدولة»، كانت الاتهامات الموجّهة للشاعر لقمان ديركي، ابن عفرين، لا تزيد بكلمة ولا تنقص عن تلك التي كانت تقال بحق أدباء إدلب، من أمثال خطيب بدلة والراحل تاج الدين الموسى، وغيرهم ممن كانوا يهاجمون بدعوى انتمائهم لما سمّي يومها بـ«جماعات إحياء المجتمع المدني».

كان الطريق الذي سلكناه يومها في السيارة التي اخترقت الجبال من كفرتخاريم في إدلب، مروراً بدارة عزة في ريف حلب، وصولاً إلى عفرين؛ الطريق ذاته الذي يهرب عبره النازحون ممن يحاولون إيجاد موطئ قدم لهم على خارطة الحياة. الطريق الذي يبحثون فيه عن بوابة عبور إلى الغد.

تلك المنطقة الهاربة من تفاصيل الزمان، باتت اليوم محور اهتمام العالم بأسره، فالقرى التي تتبع إسمياً لمحافظة إدلب، لم يكن هنالك ثمة وسيلة مواصلات مباشرة إليها، أما قرى عفرين وما حولها، فبالكاد يعرف عنها سكان إدلب، وكأنها واقعة في المريخ!

لغة السلاح اليوم كانت هي الفيصل، وهي من أزاحت الستار عن هذه المدن المسكونة بالخوف، وهي التي فتحت عيون سكانها على ما تحتويه من جمال مخبوء في أرضها، وحدهم المقموعون من أهلها، ممن لا يجيدون حمل السلاح، يعرفون جيداً أن هذا السلاح سيبقى موجّهاً ضدّ الآخر إلى حين، ريثما يصبحون هم ذلك الآخر. إنهم يعلمون جيداً أن الآتين من خارج تفاصيل الجغرافيا، لا يعترفون بقدسية التاريخ!

ويعلمون أن ذلك الطريق الأخضر، الذي يخترق الجبال، ويحتضن أشجار الزيتون، ذلك الطريق الترابي الأحمر الذي يحمل نقاء قلوبهم، بما فيها من عذابات، وآلام، وأحلام؛ ممن لم يكونوا مدعوّين إلى حفلة النميمة تلك؛ ذلك الطريق لم يعد ملكاً لهم، أو لأولئك المتواجدين على طرف الطريق الآخر ممن كانوا لا يسمعون عن عفرين، إلا من خلال الأخبار التي يتناقلها العوام حول ديانة أهلهم وانتمائهم. وحدهم هؤلاء هم من سيحرمون من تمتيع  نواظرهم بمرأى ذلك الفردوس المضاع، فيما سيدعى الذين حضروا الوليمة لولائم جديدة، وسيختلق ملفقو الأخبار أخباراً جديدة، وسيسلكون درب الزيتون جيئة وذهاباً، فصوت الرشاشات لا يصمّ إلا آذان البسطاء!

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*