أشكال ألوان| كلمات نجت من الحرب!

-1-

ما الذي يتبقى من الوطن، حين يتحول نصفه إلى قتلى؛ ونصفه الآخر إلى قتلة؟!

***

عالقون في وطن عالق… بانتظار الصفعة المعتمة، أو الطعنة العملاقة، أو السجن الدرامي،

أو الطلقة غير الطائشة.

نتخبط في هذا الخراب اللانهائي، ونلقي التحية على العابرين بقلب سليم، بينما يتدلى الخوف من عيوننا الفارغة، ووعثاء الأمل قد أصابتنا ولم نتعافى من الحرب والحب بعد.

هكذا لا أستسيغ القصائد الغليظة يا أمي، بل أتحيز للقصائد النحيفة مثلين لأنها تستطيع الهرب.

لذلك سأحرس عوائي الأليف قدر المستطاع، ومن أجل عينيكِ سأحاول أن أغني وأنا أعرف جيداً بأن الأغنية ستتحول إلى مزحة مستفزة، لكن الحال سيكون أفضل من أن يتحول كل هذا الصمت المكوم داخلي في نهاية المطاف إلى ورم مميت لن أقوى عليه.

***

كحة لا تتوقف عن المشي واقدامٌ تسعل.

أغنيات تتعفن ومنفضة سجائر خائرة وتزهو.

أخبار الحرب تلطخ أرواحنا بمنتهى الجرأة والشغف في هذا الليل السوريالي المخبول، وتلك الضحكات المتجمدة على الجدار البارد، نسيها الأصدقاء القساة، وغادروا من دون أن يعرفوا مالذي يجب أن نفعل بالضبط أمام هذه الوحشة الفسيحة.

-2-

المهالك تتألق في هذه البلاد التي كانت تحسدنا على شبقنا المغامر، ونلعنها على تهوراتها الرصينة.

****

أرجوكم، احضنوا قضاياكم الخاسرة وتباهوا بها أمام الآخرين، فهي الجزء الرؤوف بذكرياتكم الضائعة وهي وحدها التي تكبر معكم بدون ضجر.

وحتى لو اضطررتم لتوجيه عتابكم هنا وهناك، فعليكم أن تُخلصوا لحماقاتكم المحتشدة بالشهوات الماكرة لأنها لم تخدع الجمهور على الأقل.

كل يوم ستثبت لكم الحياة جنونها الهائل وليس ثمة متسع للندم طبعاً، كما سيأتي الموت وعليكم أن تكونوا جاهزين –بمنتهى يأسكم الخلاب- لتصفية حسابكم مع هذا العالم العابرن متصالحين مع خيباتكم الخالدة بإخلاص مرعب وبنشوة غامضة تقودكم إلى السر كله.

ذلك فقط هو الابتكار المقدس الذي يستحق التضحية من أجله… صدقوني.

***

ليلٌ يتخثر في الحنين…

وألف صاروخ يقاسمونني نخب الصباح القاسي؛ وطفح الأمنيات ومتاهات الأبجدية واليقين المصقول بمرايا الشك المحطم.

ليلٌ مهموم جلس القرفصاء في قلبي؛ ثم أسند ظهره إلى جدار الروح، وحين حاول الغناء بلا فائدة شرب الفاليوم وقرر أن يشتمني وينام.

ليلٌ مفقود ومزدحم لكنه أصيب بكل أرق الدهر مثلي.

ليلٌ محدودب الظهر يتقرفص في البال وبشكل غريب الأطوار لا يتورع عن إحداث ندبة في الاحتمالات.

ليلٌ يسعل كجريح حرب ضائع ويجهش بكبرياء؛ كما يحدق في اللاشيء، مستحضراً لحن أغنية متعبة ووحيدة مثلي.

ليلٌ يتمرغ في خطواتي المشتتة ويهيج…

وكآبة ساطعة تمرق نحو غصتي كسهم.

أما الآن، فقد قررت أن أشم رائحة البحر المستلقي في أعماقي الجبلية، وأنا أرهف السمع لهذا البرد الناري المكتمل.

فلقد فتحتني نافذتي المسحورة لأرى أغنيتي التائهة، وهي تتسلق هواجسي المائية ممتدة وشاسعة بين الكوابيس والأحلام.

وعلى الرغم من شغفي المنهار سأحاول أيضاً أن أغني بشفافية قراصنة وقطاع طرق نبلاء مازالوا يصرون على هطول الله في أرقهم الطيب،  لكنهم  ينامون في كتب التاريخ المُحرّفة وهم يئنون بعد أن وقعوا أسرى حرب في قبضة أعدائهم. وهكذا كنت كثيرًا حين عرفت أنهم يكابرون لأن لديهم رغبة حقيقية ومعقدة في تكرار لحظتهم الأكثر تعاسة وخوفاً باعتبارها لحظتهم الأكثر شرفاً وحرية!

-3-

بكؤوس سريعة من الخمرة المغشوشة، المحلية الصنع، وبسيجارة خارجية مهربة ورديئة، كما بعشرة كلاب مشردة تنبح الآن في روحي:

أشعر بالسلام!

لكنني حزين يا الله بسبب الفكاهات السوداء، والضحكات القاتلة للسنة والشيعة.

***

«ضيقة هي الأحلام»، والوطن -كعادته- ليس على مايرام. وجثث الأصدقاء تترنح في الحكايات المهملة. وجثتي تحقق توازنها الغريب بهذا الشعور المتوتر لتجليات العبء الأقسى.

***

ونصغي للعزلة الفارغة؛ فتتسع ظلالنا في الموسيقى البعيدة، ثم نشعر بالخوف من الأشياء الصغيرة للعاشقين؛ فيمنحنا الأمان تبادل الشجن مع مجهولي الهوية… نحن الذين سنعتذر أكثر مما ينبغي عن الصراخ الرطب الذي وجهناه لبعضنا البعض، وهو الأمر الذي أوصلنا إلى مانحن عليه من فظاعات الاقتتال الشهي، وجنازات الريح والغبار!

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*