أشكال ألوان| صندوق الدنيا

ديوان «حيرة العائد» مرميٌ على الطاولة أمامي، لكنه لا يغريني بقراءة ما يحتضنني صباحاً، وتُشعرني رواية «لا سكاكين في مطابخ المدينة» بالقذارة، وبأن التاريخ يركب على عجلاتٍ بيضاء، لتعكس صورة الحقيقة في ظل العتم الموجود في داخلي. أراني باهتاً وأنا أبحث عن أثاثٍ لبيتٍ جديدٍ في نزوحي الأخير إلى مدينة كيليس، أصحابه نسوا قناديل الصباح.

في سوق الأثاث المستعمل هنا في مدينة كيليس، وأنت تقلب الأشياء التي تخلّى عنها أصحابها، فلا تجد رائحة تشي بعرقٍ سوريٍ قديم. ربما لا يبيع السوريون أشياءهم، ويخطرُ لي الراديو القديم الذي توارثه أبي من أبيه ليصل إلينا، وبقايا طقم الصلاة الذي ما زال مركوناً في بيتنا القديم في أجمل الأمكنة، في خزانةٍ كنتُ أحلمُ أن أضع شيئاً من مكتبتي فيها، وكانت أمي دائماً تقابلني بالرفض وتنظر إليَّ بكثيرٍ من الغضب، وكأنني أقتلعُ قلبها حين أحاولُ أن أبدل طقم الصلاة الذي يخص جدتي بكتبي التي تراها عفنةً وصفراء.

والكراكيب التي ملأت سقيفة منزلنا أيضاً، لكنني نسيتُ وأنا أعدُّ ذاكرتي بكثيرٍ من القسوة ما إذا كان هناك في مدينتي حلب سوقٌ للأثاث المستعمل، أو سوقٌ للكراكيب، أو سوقٌ للقمل، كما كتب عنه بكثيرٍ من الحب الكاتب ياسين سويحة، فحملني لأحلم بسوق قديم في مدينتي يكون فيه هذا الزخم الجميل من المعاناة مع حكايا الأشياء القديمة، التي تجد لنفسها دوماً ذاكرة الرائحة.

دخلتُ أقلّب الأشياء المعروضة في المحلات بكثيرٍ من الحرص، فقد وضعت بطريقة مهدمة تغريها بالسقوط، وكأن على صاحبها أن يعيد ترتيبها كل وقت. أصحاب المحلات معظمهم كانوا من النازحين، ربما يجيد النازحون بيع أثاثٍ لا ينتمون له، فالتاريخ الآن يخبرنا أننا نجلس على قلق، وأن الباقي من قضية الانتماء هو مفاتيح بيت هدمته قذيفة، وجدرانٌ لا تغطيها الأقنعة.

ويخبرك صديقك الذي بقي هناك أنه سيشرب نخب قهوتك على جدرانٍ تركتها بيضاء ذات نزوح، وتمنيت أن تُهدم لتبكيها وتكمل ندبياتك وخسائرك. ويخبرك أن المطر يشعره بالكآبة ويملأ قدميه، بعد أن احتفظ بحذائه القديم لشتاءٍ من الحزن، قادمٍ لا يحمل سوى الصقيع، واكتفى بـ«شحاطة» تقرع الطريق، وتخفف عنه هدير الطائرة والصمت.

يخبرك أيضاً أنه لم يستطع الحفاظ على أبيه حيّاً، فقد ضاعت معالم الرائحة والبارود، أنه سرقَ رائحة الكولونيا ودخان «القشق»، وزهور أمه اليابسة، وعشيقته القديمة وصباراتها الغريبة، التي شاركته كره النافذة نفسها، اليدين نفسهما، والرائحة نفسها.

صندوقٌ أسودٌ كان يراقب تحركاتي من بعيد في أحد المحلات، اقتربتُ منه وشعرتُ كأن ذاكرتي بدأت بالنضوج، وأن طفلاً صغيراً نمى في داخلي.

دون أن أشعرَ أشرتُ إليه قائلاً: صندوق الدنيا، فأجابني النازح صاحب المحل: صندوق البويا. لم يؤلمني توصيفه، فقد اعتادَ أهل مدينتي على تسميته بهذا الاسم دون أن يكون سخريةً، ربما ضحك التلفازُ الصندوقُ لغرابة توصيفي.

مسحت على جلده الأسود، على خشبه المصنوع بعناية، وأردتُ أن أضمه. رأيتُ أبي وهو يستمع إلى نشرة الثامنة والنصف، ورأيت البرنامج الذي كنت أمقته حين يطل يوسف الصيداوي بلسان الضاد، فيحرمني من متعة التاسعة، والمسلسل السوري الذي كنت أنتظره فيغلبني النعاس، وساري العبد الله يوم الجمعة، ونشرات الأخبار الغبية التي تكتفي بذكر استقبال الخالد وتوديعه، ووجه عبد الرؤوف الكسم، والمذيعة السافرة الوحيدة التي كانت تزور كل بيوت حيي الفقير، حتى أنني حين كبرتُ قليلاً ونزلتُ إلى حي السليمانية ورأيت هناك شعر النساء، ضحكتُ وقلتُ في نفسي: كم عدد المذيعات في هذه المدينة.

أشرتُ إلى ذاكرتي، وطلبتُ إلى البائع أن «بكم ذاكرتي»؟

«بلا ثمن»، قال.

حملتُ صندوق الدنيا خاصتي ومضيتُ حين لا شوارع في كيليس تعرفها أو تعرفك، فتختفي تحت شجرة دفلة في المنصّف وأنت عائدٌ من ذاكرةٍ مليئةٍ بالقهر، لـ«تبول» ما في قلبك من كره، فتعودَ إليك ذاكرة انتهاء الرحلة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*