أشكال ألوان| معركة الرقة: حفظ ماء وجوه الرعاة، والبيادق أيضاً

تتجه الأنظار مجدداً إلى عاصمة الخلافة، مدينة الرقة السورية، تتسارع الأحداث في محيط المدينة، معارك وقصف دولي على مواقع يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، معارك جاءت بعد تضارب الأنباء عن نية الولايات المتحدة الأمريكية بالتحالف مع قوات سوريا الديمقراطية، السيطرة على مدينة الرقة وطرد تنظيم الدولة منها.

سرعان ما أعلنت قوات سوريا عن المعركة، وفي اليوم الأول خسرت عشرات المقاتلين جراء تفجير التنظيم لعربات مفخخة في مواقع تم الاستيلاء عليها، بغطاءٍ جويٍ من طيران التحالف الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية.

هل ستسقط الرقة ويُدحر التنظيم؟

المتابع للتصريحات الدولية عن معركة الرقة السورية، يرى تناقضاً بين المسؤولين الأمريكين ذاتهم، إذ أشار وزير الدفاع الأمريكي قبل فترة قصييرة، أن الأكراد لن يدخلوا الرقة، وأن البنتاغون يبحث عن شريكٍ عربيٍ لاقتحام المدينة، فيما تشير أمريكا ضمن التحالف الدولي أنها بصدد التحالف مع قوات سوريا الديمقراطية. ولم يقتصر التناقض على الأمريكيين، فقوات سوريا الديمقراطية ناقضت تصريحاتها حول المعركة، إذ أعلنت في اليوم الأول منها، أن نيتها السيطرة على مدينة الرقة، وسرعان ما رجعت عن تلك التصريحات حين أكدت أن قواتها سيقتصر عملها على الريف الشمالي، دون المدينة.

الاستراتيجية العسكرية لمعركة الرقة ليست سهلة، فالتنظيم يحصن المدينة ويقيم السواتر في محيطها، ويغطي أحيائها بالقماش. وما يساعده على تأخير سقوط عاصمته إن وجدت معركة حقيقة لطرده، هو نشره وزرعه للألغام في محيط المدينة، وفي قرىً يسيطر عليها قرب بلدة عين عيسى، التي أُعلنت منها بداية المعركة.

التحالف الدولي بدوره أعلن أنه بصدد القضاء على تنظيم الدولة في سوريا، بيد أن الغوصَ في المعطيات العسكرية يشيرُ أن لا نية لسحق التنظيم، وإنما طرده من المدينة، وترك ممرٍ للانسحاب، إذ تتمركز فصائل من قوات سوريا الديمقراطية في ريف دير الزور الشمالي، أي في جنوب الرقة، فلماذا لا تتقدم تلك القوات من الجنوب لحصار الرقة، وقتل كل عناصر التنظيم. لقد تم إعلان المعركة من شمال الرقة، دون جنوبها، مما يوضح الصورة في الحرب الدولية ضد تنظيم الدولة.

ما الغاية من معركة الرقة، ولماذا تستميت روسيا للمشاركة؟

أمريكا، وهي الراعي والداعم الرئيس لقوات سوريا الديمقراطية، أعلنت عن المعركة، فلحقها الروس بتصريحات تطالب بإشراكهم فيها، بيد أن الروس يدركون أهمية المعركة في الحسابات الدولية، لا سيما وأن الروس ليسوا بأفضل حال مع تركيا، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تُفشل أي مخطط تركي في شمال سوريا، فالمعركة أخذت أبعاداً دولية لتصفية حسابات بين الدول، لا سيما الثلاثي تركيا – أمريكا – روسيا، إذ تتشابك المصالح الأمريكية الروسية في عدم تقوية الأتراك في سوريا، وإقامة كيانٍ كرديٍ في جنوبها، لإشغالها عن الحرب الرئيسة ألا وهي نظام الأسد.

الروس يقلقون ويربكون الأتراك في دهم الأكراد في شمال سوريا، فإقامة كيانٍ أو وجودٍ كردي في جنوب تركيا لن يكون سهلاً، والأتراك يمتلكون أوراقاً على الساحة السورية، بيد أن الغاية الأساس من الرقة هي تقاسم النفوذ والسيطرة في الشمال، فقوات سوريا الديمقراطية ستتمكن من الوصول إلى أطراف الرقة وضم القرى التي تسيطر عليها إلى إقليم روجافا، حينها سيبدأ الأتراك في محيط إعزاز بتقوية المعارضة على وحدات حماية الشعب، فالساحة باتت كعكةً تتقاسمها دول إقليمية، وسط غياب تام للتحالف الإسلامي، ودول الخليج العربي.

نستخلص مما سبق أن الأمور تسير باتجاه تمكُّنِ قوات سوريا الديمقراطية من الوصول إلى محيط الرقة، وحينها ستبدأ المفاوضات بين الأتراك وأمريكا وروسيا، فالأمريكان يريدون أن يخففوا من أهمية قاعدة إنجرليك في تركيا، وسيكون ذلك بقاعدة في الحسكة، مقابل أن يتنهى الصراع بين الأتراك والروس بصفقات اقتصادية، ولعلها الغاز الروسي، ويحافظَ كل طرفٍ على أمنه القومي، ويبقى الأسد في دمشق ينظر كيف تتغير البوصلة من الإرهاب إلى شبيهه.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*