أشكال ألوان| لم يبق أحدٌ سواهم

كان لا بد من تلبية الدعوة، فالجميع ينتظر الفرح. الجميع أُرهقَ حتى حدود الموت، كانوا كذلك قبل 2011 حيث التلهي بفرق المشي، أو قراءة الأدب، أو إقامة شلليةٍ متناحرة وتكيد لبضعها، وسوى ذلك كثير. كنّا نفعل ذلك لقتل الوقت، وكي نرى الدماء تتحرك في أجسادنا المترهلة. بعد ذلك التاريخ وصلت اليوتوبيا حدود السماء، بل ربما أبعد من ذلك بكثير، وسادت أحلام اليقظة بشكل مهول، وتخيّل الجميع أن سيناريو مصر وتونس سيتحقق في ساحة الأمويين في دمشق، وفي بقية ساحات المدن السورية. هذا المشهد تغيّر على أي حال بعد 2013، وبعد سنوات كان لا بد لنا من المشاركة بحفلٍ صغير، وتبادل الود مع الأصدقاء.

اجتمع الرهط المبعثر بعد أكثر من خمسة أعوام، وأتى من عدة مدن وبلدات بعيدةٍ، صار يُعتقد أنها دويلات قائمة بذاتها، ومنهم من غامر بعبور حواجز أمنيةٍ عادة لا يفكر بالمرور فيها أبداً، وهناك من أتى من خارج البلاد. مضت ساعات الحفل القليلة، ورغم رداءة موزع الصوت وأغانيه التافهة فإن الجميع شعر بالامتنان والشكر إلى صاحب الدعوة.

مع اقترب نهاية الحفل، بدأ الموزع يضع أغاني تُمجد السلطة، لم يتقبل أحد هذا الفعل، فَفرُغتْ ساحة الرقص من الجميع؛ جلسوا يتأملون بعضهم، وينظرون بغيظٍ وامتعاضٍ للموزع الغبي وتغليب ميوله الشاذة على الجمع المعارض، نعم المعارض، وبدأ يذهب إليه من كل طاولة رجل أو امرأة، ويقول له بأدب جمٍّ: «غيّر هذه الأغنية، لا تليق بحفلٍ يا رجل»، وكان في القلب رأيٌ آخر: «أي يلعن أبوك وأبو هل الأغاني وهل القرف». بعد قليل أتى رجلٌ من طاولة جانبية، عادة يحضر للإشراف على السهرات، وأصرّ الرجل على أغنية لم تبقِ للجالسين دماغاً في رؤوسهم؛ وبأقل من ربع ساعة كان كافة المدعوين خارج الصالة.

بقي الموزع ورجل الأمن وصاحب الحفل للملمة القصة، كي لا يكون بعدها إخفاءٌ لبعض الشباب؛ هذا حدث من قبل في بلادنا المغتربة عن الحياة، وما زال يحدث.

كانت هذه الحوادث ترافق السوريين في سنوات ما قبل الثورة، كانوا يتأففون من أغاني النظام كثيراً؛ يومها كاد حسن نصر الله أن يصبح قديساً ولا سيما بعد عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006. حينها فتح السوريين بيوتهم لاستقبال عائلات مواليه بكل حبٍّ واحترام، وكانت الأغاني الشعبية السورية تمجده وتمجد النظام معه، ولكن كل ذلك أصبح محض سماجة لا متناهية بعد أن أولغ بدماء السوريين في كافة المدن التي استقبلت مواليه وسواها.

من يسيرُ في شوارع دمشق، حاراتها، يسمع يومياً هذه الأصوات السميّة الصادحة من السيارات، يشعر بتعاسة حقيقية سيما أنهم يرفعون صوت الراديو وآلات التسجيل، وكأنهم يريدون إغاظة كل الناس، وإجبارهم على اعتبار كل ذلك طبيعياً، وربما لإشعار الناس أن لا شيء تغيّر وأنهم مستمرون بقيادنا كما يشاؤون وإلى أن يشاؤوا، وكثيراً ما اضطر ركاب السرفيس أو السيارات لطلب تغيير الأغاني، وفي حالاتٍ كثيرة النزول من الحافلة.

كي لا ينتهي لقاؤنا بهذا الشكل «البايخ»، ذهبنا إلى بيت صاحب الدعوة، ورحنا نسمع لأغانينا، محمد عبد الوهاب، والشيخ إمام، وسعدون جابر، ومحمد منير، وغيرها. هذه أغاني الحياة والمعنى، والموسيقى الأصيلة. لم نقبل أن تكون نهاية قصصنا كما يرغبون وبعد كل ما حدث؛ أردنا أن نصنع النهاية التي نحب؛ النهاية التي تتضمن قول: لا. وتتضمن بديلاً غنائياً وموسيقياً ومودة أصحابٍ لا يحق لأحد حصرها في حارة ضيقة ومغلقة، والوحش يفتح فمه لالتهامنا أحياء.

بث الكراهية وإزعاج الناس، وتَقصّد ذلك في كل حين ووقت، حقيقة معقدة بعض الشيء. ويصعب كما أظن أن يلمّ علماء السياسة وعلماء النفس بهذه التصرفات المنافية للبشرية. أعلم أن الناس في المحن تميل للمداراة، للتودد، للتنازل، للذهاب نحو المساومات والتوسطات؛ كل ذلك لم أسمع عنه. ربما يؤشر ذلك إلى أن الخيارات كلها أغلقت، ولم يبقَ إلا إما وأما؛ وهذا ما يذكرنا بسذاجة المنطق الصوري وعقم المنطق الجدلي في دماغ من يواجهون الشعب وهو يقول: كفى، أريد حياة مختلفة، يحق لي تغييركم، ارحلوا من حياتنا.

الشمولية لا تترك أحداً في الهامش، هذه هي الحكاية، للجميع مسارٌ واحدٌ إلى التمجيد أو الموت، وليس من خيارات ممكنة. كل شيء معدٌ مسبقاً وإلا فهو متآمر، خلية إرهابية، ينتظر فرصة الانقضاض، تحركه الإيادي الخارجية. إذن الشمولية تفرض شروطها على الفن وعلى كل شيء، وما قد تصمت عنه، فلأنه لا يشكل عليها خطراً ما في لحظة معينةٍ. وهي ربما تراقبه، وحالما يشكل خطراً تمتد يدها لتغيبه كما عادتها بالفعل دون كلل ولا ملل.

لم نكن راغبين بأكثر من سعادةٍ لطيفة، ولو استطعنا لدفَعنا للموزع التافه ببعض أغني القاشوش أو سواه لنشعر بقليلٍ من الفرح الحقيقي. نعم، فقد اجتمع الأصدقاء، وفي لحظةٍ لم يبق أحد منهم. بقي من كان وحيداً ويربي أوهامه بأنه على حق، ولا يعنيه الموت الذي جثم على البلاد خمس سنوات متتالية، وعقوداً من قبلها.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*