أشكال ألوان| «يمان» عارياً تحت مصابيح فرويد

يبدو أن الضربة القاصمة التي تلقاها السورياليون، جاءتهم من أكثر المواطن حميميةً اطمأنوا إليها ونهلوا منها، وهي التحليل النفسي الفرويدي، إذ نقضَ سيغموند فرويد ادعاءهم القائل بأن نشاطاتهم تعبيرٌ عن اللاشعور، وأن انحلال الروابط المنطقية بين عناصر العمل الواحد يرجع إلى الفوضى التي يعاني منها العقل الباطن غير المنظم، وغير المُدرَك بخمس حواسٍ واعية تعمل على أرشفة وترتيب أولوياته الواجب إشباعها، لذا فإن قواعد الاشتغال الجمالي والأخلاقي تفقد قيمتها في العمل السوريالي، لأنه لا يخضع لنظام الرقابة الذي يحكم سلوكياتنا عموماً.

السوريالية التي اعتمدت على الدهشة لصدم العالم البليد، صُدمت أيضاً بتصريحات فرويد التي أتت بمثابة إنكارٍ للأبوة، إذ أعلنَ الأخيرُ إنه من غير الممكن اعتبارُ العمل السوريالي تعبيراً صادقاً عن اللاوعي، بل هو تجلٍ لهُ من بين تجلياته العديدة، ويحتاج بدوره إلى التحليل والتأويل للوصول إلى منبعه الأساس.

إذن فالتلقائية التي يدعيها السورياليون إنما هي تنظيمٌ واعٍ لرغبة الإنسان في الظهور بصورة معينة دوناً عمّا سواها، هكذا وجد السورياليون أنفسهم عُراة أمام مصابيح فرويد التي أمسكوها بأيديهم، وبمعنى أدق؛ السورياليون الذين أحبوا أن يمثلوا قصة الملك العاري والنسّاج المحتال، لكن بشكلٍ معكوس، أي أن يخرجوا كُساة ويرموا بالضلالة كل من لا يراهم عُراة، فَفُجئوا بأن النسّاج أفشى سرهم بين الآخرين.

في الحقيقة كنت بأمسّ الحاجة لهذه المقدمة حتى أُسقِط عن «يمان» براءته، وأُعري اليد التي وقفت وراء الصدوع التي تبناها الطفل في الفيلم، إذ يختَصِرُ «يمان» تجربة مخرجه عمر البرزاوي وفريق عمله من جهة، ويُكثّف في شخصه من جهةٍ أخرى رأياً عاماً متقيحاً حد الورم، ولم تكن الدقائق الأربع التي خُلق بها، وعاد منها بنا إلى سراديب الحزن الخفية، سوى اختصارٍ لخمس سنوات من سوء التواصل مع أنفسنا ومع الآخر.

فالسوريالية، وهي الثوب التي اختار «يمان» أن يقابلنا فيه، تتميز بحسب بيان مؤسسها الشاعر الفرنسي «أندريه بريتون» بالمزج بين عناصر خيالية وأخرى واقعية للوصول إلى الحقيقة المطلقة، ويبدو عالمُ «يمان» شديد التماسك بغرائبيته، ومتكاملاً ضمن السياق، مع حذفه (لنا)، أي العنصر البشري برّمته، وهو ليس رفضاً لمجتمعٍ بعينه حتى، فصديقه الوهمي غير البشري المرافقُ له يتمتع أيضاً بخاصية (اللا لغة)، إذ أن كل ما نعرفه عن هذا الكائن أتانا نقلاً عن «يمان» نفسه، وحتى شبه الحوار الوحيد بينهما ترجمه لنا «يمان»، وكان لهذا الخطاب أن يبقى هذراً بالنسبة لنا خارج هذه الترجمة، فالأمر إذن متوقف على مرجعيات «يمان» وتصوره للحقيقة المطلقة التي يبدو واضحاً أننا مطرودون خارجها، وإننا إذ نشاهد هذا الكم الهائل من الجمال في عالمٍ يخلو منّا، نشعر بالحزن حدَّ الشفقة على أنفسنا.

الفعلُ في المَشاهِدِ كلها كان من جانبٍ واحدٍ مصدره «يمان»، والأصحّ أن كل ما شاهدناه كان ردّ الفعل على عدوانيتنا المستترة في الفيلم، إذ أن الاختراع الذي سيحمي الطفل من عدوٍ لم نره، فقدَ فاعليته مع دخول العنصر البشري بتعامله الهمجي مع طفلٍ مشردٍ حالمٍ في ركنٍ منعزل داخل صندوقٍ من الكرتون في المشهد الأخير، هو «يمان» ذاته، مرةً أخرى يضعنا هذا الطفل أمام حقيقتنا العدوانية، إذ أننا مثّلنا ببراعة منقطعة النظير في بشاعتها، العنصرَ الواقعي الثقيل الذي سيبدد الحلم.

أضف إلى ذلك كله، وبالرغم من أنني لا أودُّ تحميل الجمهور ما لا طاقة له به، فالفيلم لمخرجٍ سوري، ومن إنتاج مؤسسة سورية، وهو ما لا يمكن فصله عن وعي الجمهور أيضاً، إلا أن «يمان» ورغم التباين الكبير في هويته بين بداية الفيلم «أنا يمان، مخترع»، ونهايته «أنا يمان، عمري 11 سنة، صرلي سنتين بيع محارم، وبتمنى كون مخترع»، لم يأتِ أبداً على ذكر انتماءه، الذي قرر الجمهور أنه طفل سوري، وفي الحقيقة كان الاستدلال قائماً على مجموعة من العناصر، أبرزها مقتل عائلته ببرميلٍ متفجر، وهكذا بدل أن تجمعنا مبادئ الثورة مثلاً، أقلّه شعاراتها الأولى عن الحرية والكرامة، تجمعنا اليوم آثارُ وأدواتُ كبت هذه الثورة، يجمعنا برميلٌ متفجر، هكذا وبكل بساطة.

إن «يمان» إذ يبدو عابثاً «يمان» بهويته، يوضح لنا كَمّ العطب والتشوه في هويتنا الجمعية أيضاً، وغياب فاعليتنا في تكوينها، وعجزنا عن قراءة هذه الهوية خارج أبجدية فعل الجناة فيها.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*