أشكال ألوان| تلونات لحظة موت

في قلب الشارع الذي أضحى تلالاً من أكوام الركام وبقايا جدرانٍ مهدمة وهياكل سيارات تآكلت بسرعة، في الدربِ الذي يطل عليه القناص التابع للنظام الذي لمحه هذه المرة، وخلفَ كومة مخلفات لن تخفي جسده، تكوم ورأسه بين ذراعيه، وكأن الرصاص لا يخترق الأذرع، ضمَّ قدميه إلى بطنه وتكور، ورائحةٌ نفاذةٌ أحرقت عينيه.

عندما فتح عينيه، كانت عبوة بلاستيكية من الكلور قريبة منه، فيها بعض السائل الحارق، هناك من مرّ قبله بلحظات وخاف فسقطت منه على التراب ربما. في تلك اللحظة كان خطٌ من النمل الأسود يسيرُ طويلاً قادماً من نقطةٍ لا يدركها حتى بابِ مستعمرته قريباً من قدميه. القناصُ ضرب قربه وقبله وبعده، يلعب معه كأنه فأر لن يرغب في قتله الآن، لكن يمكن أن يغير رأيه في أي لحظة، وخط النمل لا يزال يتحرك وكأن شيئاً لا يحدث، كما لو أنه في قلب غابة. توقف الرصاص برهةً فقفز على أربع، زحف، ثم ركض وقطع الشارع. عاد إلى المنزل، وروى عن خط النمل الذي كان يمر تحت وجهه وقرب بطنه حتى باب مستعمرته تحت قدمه اليسرى.

هربَ من المدينة وغادر سوريا، وعندما يتحدث عن الموت والجوع والفقدان والرقص في دربٍ يطلّ عليها قناص، تقفز إلى رأسه صورةٌ لخط نمل أسود طويل مرّ به، ورائحة كلور طغت على رائحة التراب. لكنها أخبارٌ لن تهمَّ أحداً، تفاصيل عالقة في رأسه بتركيز كبير وبصورة حية لا يتعب باستحضارها كما يتعب باستحضار تفاصيل لحظات اقتراب موته أو خوفه. بل إنه أكثر خوفا عندما يتحدث عنها من لحظة حدوثها، وهذا كما قرأ مرة في مقالة علمية ليس غريباً.

****

يبدو الموت أسوأ كلما ابتعدت عنه، قبل أن يصبَّ إلى جانبك كشلال، أو بعد أن تمرَّ به. في لحظة الموت، كانفجار، تتعطل حواسك الذهنية التي تشعر بالألم والخوف، يضعف صوت الخارج ويتباطأ مرور الصور حولك.

أدركَ أنه يطير في الفراغ، وكما لو أنه في فيلمٍ بالأبيض والأسود، وبالتصوير البطيء، هناك قطعٌ من سماء، وغبار، وأرض؛ هناك ذراع، جذع رجل، وأجسادٌ أخرى كاملة، وقطع حطام. خافَ للحظةٍ أنه عندما سيعود إلى الأرض يمكن أن تطأه الأقدام، فيموت دعساً!

عندما سقط لم يكن هناك أقدام، بل كانت دماء وأصوات بعيدة مكتومة وحرائق صغيرة على مستوى الأرض تماماً، ويبدو وكأن بقعة زيت كبيرة تغطي كل الأرض، على مد النظر في كل مكان. لم يؤلمه جسده، لم يصرخ، بل سقط بِدِعةٍ وهدوءٍ وصمت، ثم فجأة نزل أخرون من السماء بصراخٍ وأصوات ارتطامٍ وضجيجٍ كبير. بقعة الزيت الكبيرة ذكّرته بسطح البحر، تتموج بألوان معدنية وبقع إهليلجية زيتية اللون، وبعضها خضراء، وبعضها فضية يشوبها احمرار، صورةٌ لسطح بحرٍ كسول.

عندما اتضح له وتأكد أنه من الناجين، تحدّث أنه لم يسمع انفجاراً ولا صوت صراخ، ولم يعلم كيف طار. أخبروه أن هذا من هول الصدمة وهو أمرٌ طبيعي؛ لكنه يتذكر جيداً رحلة الفراغ التي قام بها. أخبروه أنه صرخ كالمجنون وحدّثهم عن الحرائق الصغيرة والأشلاء التي طارت معه في الفراغ، لكنه لم يحدّث أحداً عن الفكرة التي استولت عليه، وهي أنه عندما سيصل الأرض ستدهسه الأقدام، ولا عن صورة سطح البحر الكسول.

****

أمام شاشة التلفاز، أخبرت جاراتها بصوت عالٍ أن الموت تفجيراً أو قنصاً أفضل من الموت ذبحاً، ووافقنَ أن الموت الجماعي أرحم من الموت الفردي، وقرّرنَ أن الموت تفجيراً أو ذبحاً أفضل من سماع خبر تفجّرِ أو ذبحِ عزيز.

****

 أمام شاشة المحطة ذاتها في دولة بعيدة عن سوريا، كان الموت الجماعي يبدو شيئاً شيطانياً جداً، وغير محتمل بالمرة. بكى بحرقة وتمنى للطرف الثاني المتهم بالتفجيرات الموت، على ألّا تعرضه شاشات التلفاز، ثم فكر أنه سيخاف إن هو سمع به، سيتخيله وتفاصيله كلها، ففضّل أن لا يسمع به. لكن الموت، وإن لم يسمع به، لن يوقف حدوثه أو ألمه، ولا منطقيته أو شيطانيته. خجلَ من أنانيته فاتجه بدعاءٍ وتضرعٍ حقيقيٍ ألّا يحدث لأحد، ولا لطرف، موتٌ أبداً. فلتحدث معجزة وليتوقف الموت، لم يعد في سنه أو وحدته يحتمل كل هذا التعب، فأطفأ التلفاز ونزل إلى ساحة فارغة في استوكهولم يكرهها جداً لأنها تركز وحدته وعجزه. هناك أنزل على صفحته على الفيسبوك مقولةً عن السماء الحزينة الفارغة، وعن الغيوم المستعجلة.

***

استقبلَ الراحلون قبلاً الواصلين حديثاً، وباركوا لهم انتقالهم، ودلّوهم كيف يزورون للمرة الأخيرة أحبتهم، وكيف يجب أن يعودوا كي لا يعلقوا في الفراغ فوق الأرض تحت السماء. رفض كثيرون من الواصلين الجدد، كما فعل كثيرون من قبلهم، العودةَ ولو حتى لزيارة قصيرة: لوداع.

تفرجوا قليلاً على ضوضاء الأرض، وعاد الجميع إلى السلام.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*