أشكال ألوان|دراما رمضان: سمات المتابعة تعطلها ظروف الواقع

هو ليس فقط يجمعنا، بل قد مر 25 عاماً على ذلك. فها هو رمضان يعود عاماً آخر، وتسرع MBC لاستقباله تحت مسمى خمس وعشرين سنة ورمضان يجمعنا. فقبل ربع قرن انطلقت MBC من لندن، وأعلنت الظهور الأول للفضائيات العربية الخاصة البعيدة عن القنوات الحكومية، في تجربة أولى لدخول البث الفضائي إلى البيوت العربية.

واليوم تعيدُ الشبكة السعودية ذات التمويل الأكبر عربياً، استثمارَ نجاحها في الاستمرار من خلال ربط ذكرى ميلادها بهيكلية التدفق التي تتبعها الشبكة خلال الموسم الرمضاني كل عام. حيث حافظت على ملامح ثابتة لهذه الهيكلية، كرمز الهلال المضيء ولوغو «رمضان يجمعنا» وموسيقى الخلفية التي ترافق الفواصل الإعلانية طيلة الشهر الفضيل.

وبينما كانت MBC تنافسُ وحيدةً قبل ربع قرن، فقد تبدل الواقع الفضائي لتقف قبالتها قرابة 1500 قناة فضائية عربية. ورغم أن النسبة الأكبر من هذه القنوات لا تُعنى بالدراما كأولوية ولا تهتمُ بالموسم الرمضاني كمساحةٍ عرضٍ أولى، إلا أن حصرية العروض تم توزيعها، وبات بإمكان المشاهد متابعة المسلسل ذاته على عدة قنوات مختلفة أثناء النهار. ما دفع MBC كشبكة إعلامية كما القنوات المشابهة لها من حيث القوة والقدرة على شراء العروض الحصرية، إلى العمل على ترسيخ سماتٍ ثابتة للمتابعة في رمضان. سماتٍ تنبع من انتقاء شعار يعكس نوعاً من الترابط الاجتماعي، ويعيد ولو شكلياً بناء وفاق اجتماعي محدود، وإن كان لمدة ساعة خلال عرض جماهيري مثل باب الحارة أو ليالي الحلمية الذي يعود بجزئه السادس هذا العام.

بذلك تضمن القناة الفضائية نسبة وافية من المتابعين، حتى ولو عرض العمل نفسه على عشر قنوات أخرى، فهو سيحمل سمةً خاصةً براقةً عندما يُعرض على شاشة إحدى هذه القنوات وقت الذروة. وهذا ما يفسّر تحمّل البعض لمتابعة المسلسل على قناة جماهيرية في رمضان، رغم انتهاك القناة لقوانين البث الإعلامي بزيادة عدد الفواصل الإعلانية وإطالة مدتها وقطع التسلسل المنطقي للأحداث على حساب العرض التجاري الأول.

أما واقع الحال ولاسيما السوري، فهو يفرض نفسه جلياً على مائدة رمضان الخامس في عمر الكارثة السورية. فإذا ما حاولنا تفنيد انعكاسات الواقع المر على سمات المتابعة، سنجد عوامل لا حصر لها من نفسية إلى اجتماعية فاقتصادية معيشية. جميع هذه العوامل تتفاعل ويظهر صداها، حتى ولو على نسبة متابعة نتاجٍ فنيٍ يُكثف عرضه خلال شهر واحد في العام كالدراما. فمن يستطيع تجاهل عمق الأثر النفسي السيء للأحداث على مزاج المواطن السوري، سواء كان مقيماً في الداخل أو الخارج، نازحاً أم لاجئاً. حيث مفاهيم الحياة الطبيعية تعطلت لديه ما يجعله بعيداً كل البعد عن التكيف مع فكرة أن أجواء رمضان ما زالت بالحميمية نفسها، واجتماع العائلة حول التلفزيون لمتابعة عمل تلفزيوني بشكل يومي. فعُرى الترابط الأسري أوهنتها قسوة الحرب ونجحت في تفتيت الشمل الواحد وتوزيع الأفراد على عدة محافظات في البلد الواحد، أو بين القارات ودول الجوار المحيطة. لذا قد يبدو من العسير فصل الأثر النفسي عن الاجتماعي عند الحديث عن تدفق المتابعة التلفزيونية في شهر رمضان المبارك، لا سيما أن الشهر الكريم يحمل في دلالته الدينية معاني التواصل والتلاقي الأسري في جوٍ تغمره الألفة.

ومع أن ما سبق لا يعني أن كافة العائلات السورية عاجزة عن الاجتماع فيما بينها هذا الموسم، لكن إحساس الطمأنينة الذي دأب رمضان على تثبيته ضمن بيئة مجتمع عاطفي كالمجتمع السوري، يعاني اليوم من التخلخل وعدم الاستقرار النسبي في ظل آثار الحرب القائمة على صعيد غياب الأمان في كثير من المناطق، وتردي الوضع الاقتصادي سواءً بارتفاع سعر صرف الدولار الخيالي أو قلة الموارد الاقتصادية الأسرية. مع وجود أزمات معيشية مستمرة لعل أكثرها ارتباطاً بالموضوع أزمة انقطاع الكهرباء، والتي ستنعكس بشكل مباشر على تحقيق متابعة مستقرة لما يُبث بشكل يومي وفي وقتٍ محدد على التلفزيون.

تبدو مسلسلات الموسم الرمضاني الدرامي صعبة الوصول إلى المشاهد السوري كما العربي، الذي يعاني بدوره أزمات سياسية واقتصادية أيضاً. كما تقف القنوات الفضائية حائرة أمام أزماتها المالية الداخلية والقلق المتنامي حول بقاء دورٍ للتلفزيون في تحقيق الجماهيرية خلال رمضان، كما كان يفعل قبل توفر البث عبر الانترنت والوسائل البديلة. فما كان قبل خمسة أعوام ليس كما هو عليه اليوم، فكيف إذا قمنا بقياس تغير عقلية المشاهد ودرجة استمتاعه بمتابعة التلفزيون منذ ربع قرن حتى اليوم.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*