أشكال ألوان| كنت طفلاً أقليّة

كنتُ فى الرابعة من عمري ألهو مع زملائي فى كنيسة المدرسة الصغيرة، نغني للصدق ونصفق للأمانة، أحنت المعلمة قامتها وهمست تسألني: أنتِ مسلمة ولا مسيحية؟ لم أكن أعرف الإجابة حقاً، سؤال الهوية الدينية لم يتشكل، أبواي غير متدينين، لا يصليان ولا أسمع فى عائلتي الصغيرة ما يمكّنني من الإجابة، وكعادة الأطفال الذين يفضلون الخيار الأخير فى الإجابة قلت مسيحية، أمسكت المعلمة ببطاقة اسمي ومنها إلى يدي وأخرجتني من الكنيسة. جلست فى الفصل مع أطفال أخرين نتعلم سورة الفاتحة، فكنا أطفالاً أقلية وسط أغلبية مسيحية في مدارس البروتستانت بصعيد مصر، عشت من الحضانة إلى الثانوي كفتاة تنتمي لمجتمع الأقلية المسلمة فى المدرسة، وحين أغادر سورها تنعكس الآية وأصير ضمن أغلبية حاكمة، رغم أن المدرسة لم تكن تفرق بين التلاميذ على أساس هوياتهم الدينية، إلا أن شعور الاضطهاد العام الذى يحمله الأقباط المصريين قد تسلل إليَّ، وأنا أجرب نفسي كواحدة ضمن أقلية مسلمة بين آلاف من أغلبية مسيحية، تعانى التمييز حين تخرج إلى المجال العام وتحتك بالمجتمع.

أتذكر أنني حين كنت فى المرحلة الاعدادية، اعترضت على الغرفة التي خصصتها المدرسة لكى يتلقى المسلمون فيها درس الدين، وشعرت بالمرارة لماذا نخرج نحن من الفصل ويبقى المسيحيون فيه، وحين أجابت مشرفة المدرسة ملوحة بالعدد، فهمت معنى أن تتنازل لكى تعيش كأقلية.

فى المرحلة الثانوية، كانت موجة الدعاة الجدد قد ضربت بنات جيلي، فارتديتُ الحجاب مثلهن. كنتُ الأخيرة التي تلحق بركب سبعة من الزميلات المسلمات كنّ قد سبقنني إليه، وبينما كنت أتلقى التهاني منهن فى طابور الصباح، نهرتني المعلمة لأنني خالفت نظام المدرسة الصارم، أرجعت زميلتى ذلك إلى غيظها من ارتدائي الحجاب وتطبيق شرع الله، كان إحساسنا بالاضطهاد مجرد شعور لا علاقة له بواقع الحال. وفى السنة نفسها، اختلى بنا مدرس الدين الذى هو مدرس اللغة العربية أيضاً، وقال فى المدرسة: «ذاكروا… شوفوا المسيحيين بيعملوا أيه!».

نظرت إليه وتعجبت كيف يقبض راتبه من الأقباط كل شهر، ثم يستعدي طلابه عليهم؟

حين عملتُ في الصحافة، وقٌدر لي أن أتخصص فى تغطية شؤون الأقباط، لمست عن قرب معنى أن تكون مواطناً أقلية فى مجتمع غالبيته تدينُ بالإسلام، بل وتعرض للتشوهات التي نالت من المصريين فى سنوات ما بعد انتشار الوهابية.

وأنت مواطن أقلية، ستشعر دون قصدٍ أن الأغلبية تتكاتف للنيل منك، مع كل واقعة فساد نتعرض لها جميعاً، ستشعر أن هذا حدث لأنك مسيحي، ستجد من يصب البنزين على نارك المشتعلة، سيقلُّ العقلاء في محيطك، وستتحينُ الفرصة لتفجر كل هذا الغضب في وجه من يحاصرون حقوقك.

يعاني الأقباط من التمييز فى مصر، إلا أن شعوراً يتزايد بالاضطهاد. ويزداد الأمر سوءاً مع غياب القانون وارتعاش الدولة، وجهل المواطن العادي بتاريخ القبط كأصل للأرض وجذع ممتد فيها.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*