encumena--minbice

أشكال ألوان| مدنيو منبج على الهامش، ومعركة الرقة طي النسيان

تتسارع وتيرة المعارك والمجازر في مدينة منبج بريف حلب الشرقي، يستفيقُ الأهالي على مجازر يومية، وهم قابعون تحت سلطان تنظيم الدولة الإسلامية. استفاقةٌ يوميةٌ لمدنيين باتوا ضحايا صراعات دول، لا تقتصر على الحرب بين فصائل تريد الأرض دون قاطنيها، كأن الشعوب تذهب وتعود بينما الأرض باقية، بعروبتها وكرديتها.

مجزرة مروعة هي الأولى للتحالف الدولي، مئتا روحٍ غادرت الأرض إلى السماء في قصفٍ جويٍ للتحالف الدولي على قرية (التوخار) شمال مدينة منبج، دون أن تلقى المجزرة الزخم الإعلامي المعتاد، لأن المدنيين الذين قتلوا هم في مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

فقط… مدنيو داعش متطرفون

حلب بريفها وأحيائها لا يفارق الطيران سمائها سواء كان للتحالف الدولي أو النظام السوري، أو الروسي أيضاً، فالقوى المذكورة تتقاسم المدن والبلدات في القصف، إذ تكون حلب وريفها الشمالي والجنوبي للروس والنظام، على أن يكون الريف الشرقي، وقسم من الشمالي حصة التحالف من القصف اليومي. الروس لا يقلون إجراماً عن الأسد، بيدَ التحالف ارتكب أكبر مجزرة منذ تدخله في سوريا تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة، مجزرة راح ضحيتها 200 مدني، ناهيك عن عشرات بل مئات الجرحى، ما شكل صدمة في أوساط داخلية وخارجية لم تعتد أن يُصنف التحالف مع الأسد في المجازر.

الغوص في تفاصيل المجزرة، ووفق ما أفادَ أو اتهمَ به الأهالي، يشير إلى أن القصف كان عبر إحداثيات من قوات سوريا الديمقراطية، التي تتحمل برأيهم مسؤولية المجزرة، فالتحالف لم يتعمد ضرب المدنيين على مرِّ عامين، مما يوضح الاستراتيجية العسكرية للتحالف، وهي ضربُ أهدافٍ عسكريةٍ فقط، وإن كان يسقط مدنيون جراء القصف بأعدادٍ قليلة.

ضغطٌ إعلاميٌ ودوليٌ عقب المجزرة، دفع قوى عسكرية موالية لقوات سوريا الديمقراطية، وتحديداً مجلس منبج العسكري، الذي يضمّ عدداً كبيراً من أبناء المدينة، إلى إعطاء مهلة يومين لتنظيم الدولة للخروج من منبج، بأمان، وقد مضت عدة ساعات من المهلة دون استجابة من التنظيم. لعله الإصرارُ على القتال حتى آخر مدني وراء ذلك، إذ لا يولي التنظيم أهمية لحياة المدنيين، فيما يرى كثيرون أن المهلة هي لحقن الدم، وإيقاف شلاله في منبج، وتبقى التطورات رهن إشارات من قادة الطرفين، فيما سيكون المدنيون هم الضحية بلا شك.

لا نقصان في ضحايا القصف الجوي على حلب ودرعا وريف دمشق ودير الزور، وعشرات المدن والبلدات التي ما زالت تقدم فاتورة بشرية باهظة، لكن التركيز على مناطق المعارضة أكثر من مناطق تنظيم الدولة هو انحرافٌ مهنيٌ واضح، وصعوبة الوصول إلى مناطق المجزرة في شمال منبج لا تعطي ضوء أخضراً لتجاهل الأمر، أو قلة الاهتمام به.

يساعد هذا السلوك السياسةَ المنشودة من معركة منبج، إفراغها من أهلها وتهجير عربها، إضافةً إلى تدمير بناها التحتية، ويبقى الأمل معلقاً بخروج تنظيم الدولة من منبج سلمياً، بغية عدم إراقة مزيدٍ من الدماء على أبواب منبج.

الرقة… المعركة الوهمية الأمريكية

لا ذكر اليوم لمعركة الرقة التي تغنى بها البنتاغون، ذهبت أدراج الرياح، وسرعان ما حولت الولايات المتحدة الامريكية بيادقها على الأرض من الرقة إلى منبج. تحولٌ عسكريٌ كبيرٌ يكشف المخطط القادم للمنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، فسوريا الديمقراطية ليست سوى بيدق من بيادق أمريكا، تسير وفق توجيهاتها، وبتغيير أميركا مسار المعركة تكشف أنها لا تنوي القضاء على تنظيم الدولة، بل زعزعته دون إنهاء وجوده، الآن على الأقل. إذ لو كانت أمريكا جادة في حربها على التنظيم لأبقت المعركة على الرقة، فالرقة تقسم مناطق سيطرة التنظيم في سوريا وتقطع أوصال قواته، لكن تحويل البوصلة العسكرية كان لأهدافٍ ومآرب أخرى، لا سيما مداعبة الصديق التركي بتواجد كرديٍ بقناعٍ عربيٍ على الحدود الجنوبية لتركيا، لمنعها من أيّ إجراءات قد تقوم بها على الصعيد العسكري حيال قاعدة إنجرليك قرب مدينة أضنة.

شهران من المعارك في منبج ولم تُحسم الأمور العسكرية فيها، وإن كانت قوات سوريا الديمقراطية قد دخلت أحياءها لكن التنظيم ما زال يسيطر على القسم الأكبر. كذلك أثبتت المعارك أن غياب التحالف الدولي عن سماء المدينة، سيلقي آثاراً عسكرية مباشرة، فالتنظيم يتمكن من إعادة قوات سوريا الديمقراطية من حيث أتت إن غاب التحالف لدقيقة واحدة عن سماء المعركة.

لستُ هنا بصدد الدفاع عن داعش دون غيرها، فالطرفان يحملان أجندات ومشاريع لا تتماشى والثورة السورية، والجميع بيادق بيد قوى عالمية، تسعى وتخطط، وتقسم وتدير وتقتل، والفاتورة أرض سورية، ومواطنون عرب وأكراد ضحايا المشاريع العابرة للحدود. ستحسمُ الأمور في منبج لصالح البيادق الأمريكية، لكننا اليوم أمام مسؤولية أخلاقية بالدرجة الاولى قبل أن تكون إعلامية، منبج وحدها من تعيدنا إلى سوريتنا وثوريتنا، منبج كاشفة الأقنعة، منبج تباد بصمت ويحتلها الأجنبي اليوم، وسنندب عليها كما ندبنا على غيرها.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*