tumblr_nk8yivNrRe1s7rv3xo1_1280

أشكال ألوان| أما زال هناك ملحق للحرية

اللغة العربية المنصفة في مفرداتها، تُعجِزُكَ حين تبحث عن أصل للمفرداتٍ التي تُعاش ولا تناقش، فتنحازُ المفردات لما خصص لها وعينا الثقافي والإدراكي، ناسيةً أو متجاهلةً ما كانت تعنيه قبلاً، و«الملحق» إحدى هذه الكلمات التي صنفتها اللغة بمعنى «الزيادة»، وشكّلت عندنا نحن الجيل الذي نشأ في التسعينيات «مع بداية ظهور الملحق في الجرائد»، صورةً ذهنيةً كاملةً للمعنى السياسي والثقافي، بعيداً عن قيود الأعمدة والعناوين البراقة، وعصباً رئيساً لمعنى الحرية وتدفق الكلمة في مكنونات الوطن وحياته الثقافية والسياسية والاجتماعية، شعراً ونثراً وخاطرة ورسائل عشق.

هذه التجربة التي كانت متنفساً للأدباء الجدد والهواة وأصحاب الأقلام الغضة والأسماء المجهولة منذ تسعينيات القرن الماضي، شكّلت وبحق، ومع تعاظم دور الحبر في ذلك العصر، الوجهَ الثقافي والحواري للبلد، فاختلفت مواضيعها وتناسقت معاً في وكرٍ ثقافيٍ جميل تستطيع من خلاله أن تجرب المتعة والتحليق، لا مسحَ النوافذ وتنشيف زيت البطاطا المقلية، فتركزَ الضوء على موضوع بعينه تغنيه وتحيط بجوانبه، وتُترككُ أمامك أسئلةٌ وأجوبةٌ من مواد دسمة، تسهمُ في صنع جسر تعليمي وثقافي وتكنولوجي.

لأننا في زمن الثورة عانينا من غياب الفكر الموازي للغة الحرب والقتل، وتصدرَ عناوينَ الأخبارِ والمواقعِ حجمُ الدمار وعددُ الشهداء، ناسين أو متناسين دور صناع الثقافة والفكر، وتسليط الضوء على بناء جيل متعلم يكمل حلم الحرية فيعبرُ عمّا يجول في داخله، ويضيءُ على الجوانب المعتمة في تكوين الهوية الثقافية والحضارية لأبناء الثورة. كنا نحتاجُ مع كل هذه الذاكرة التي اختزناها، وقصص الإنسانية التي عشناها وعايشناها، وحجم الألم والأمل الذي شكل شخصيتنا الجديدة، كنا نحتاجُ لتفريغ ما يجول في صدورنا على شكل مفرداتٍ ورسوماتٍ وصور.

أنا القادم من حلب، الممتلئ بشوارعها التي غابت عنها المراكز الثقافية والمدارس التعليمية، وغدت الكهرباء نعمةً مفقودة والانترنيت رفاهيةً لا يمكن الوصول إليها، كنتُ ألتهمُ ما يصلُ إلينا مصادفةً. أذكرُ يوماً أني قرأت جريدة «عنب بلدي» ثلاث مرات، وكأني أتناول دواءً لمرضٍ عضال. وأذكرُ أننا كنّا نتناهبُ فيما بيننا عدداً من جريدة حنطة ما زلتُ أحتفظ به حتى الساعة، حملته معي في رحلة النزوح الأخير.

لم يخطر في بالي أن الذين يكتبون هم أشخاص يشبهوننا، كنتُ أحفظ كل الأسماء التي تضيء على صفحات الجرائد، وأرسمُ هالةً مقدسةً حولهم، وأشكرهم في سرّي دوماً لأنهم يحملون وجعنا ويصوغون عشقنا ووطننا وأحلامنا الكبيرة والصغيرة.

وكان لا بدَّ أن أفرغ ذهني من محتواه، لعلّي أنقل ما عشته وما شعرت به كي أستطيع النوم، منذ أكثر ستة أشهر حين عبرت الحدود إلى تركيا، كتبتُ أول ورقة لي لم أحلم يوماً أن تجد مستقراً لها في مكانٍ ما، أو أن يحمل اسمي شيئاً من الحياة التي عشتها. أخذَ الورقة صديقٌ وقال لي: «علينا أن نرسلها للنشر».

كلُّ ما خطر في بالي وقتها فيلم «ما يطلبه المستمعون»، تذكرت كيف أمضى الشاب عمره في انتظار أغنيته على الراديو كمهرٍ لفتاةٍ أحبها ورفضت الزواج به قبل أن يهديها تلك الأغنية. هل كانت مصادفةً أن أجد اسمي صاحب قصة «الجودلي» في ملحق أشكال ألوان. قرأتها مراتٍ كثيرة، حزنتُ وفرحت، أن أجد اسمي ومفرداتي، وفي ملحق، لم يكن حدثاً عادياً ما فعلته الحياة بي وقتها.

واصلتُ الكتابة وعندي شعور الساكن على الريح، في كل مرة أنتظر يوم الجمعة، وأغمضُ عيني حتى يظهر اسمي بين كتاب العدد في الملحق، فأشعرُ أن روحي قد هدأت، وأن يدي ما زالت قادرةً على الكتابة.

لعلَّ أكثر ما أردت أن أنقله لكم في عامكم الأول، أن كاتبةً كبيرةً صديقةً لي من فلسطين، بكَت حين قرأت يوماً ما كتبته، للحظةٍ ظننتُ أنها تأثرت بما كتبت، وحين سألتها عن سبب بكائها، قالت: «أما زال هناك ملحق للحرية رغم كل هذا الموت؟ ستنتصر حريتكم يا صديقي».

لا أعرفُ من اقترحَ التسمية في «ملحق أشكال ألوان»، ولكنه بحقٍ قد أعطى هذا المكان، ومع تراجع الملاحق الورقية وربما احتضارها، ومع الدخول إلى عالم الأحرف الالكترونية الخالية من رائحة الحبر، أعطاهُ الحنين للفكر وصناعة الثقافة ودورها في بناء من يحمل مسؤولية تقديم الوجه الإنساني والفكري وإبداء الرأي والنقاش والمحاورة، ليلحق اسمه بأشكال ألوان، فتتناقضَ اللوحة وتكتملَ في الوقت نفسه، بين نحت الفكر وتلوينه.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*