أشكال ألوان| تحيّة العام الأول

يقولُ قاسم حدّاد إنّ «الكتابةَ في وطنِ الطغاة، أقلّ أمانًا من النوم مع الأفاعي في جحرٍ واحد». لم يكُن في حسابنا، لسذاجةٍ ربّما، حينَ قررنا إنشاءَ ملحق أشكال ألوان الأسبوعي، وطرحنا شعارًا لهُ يقول: «أكتب… وقوّي صوتك». لم يكن في حسابِنا، أن هذا التحدّي أكثر صعوبةً من الشعارات، وأن أرضَ الواقع تختلفُ كثيرًا عما يسعى إليهِ كلٌّ منا، بل ويتوهّمهُ أحيانًا، في تقديم الجديد، الصارخ، ذي الصوتِ الذي لا يُمكنُ أن يُسكتَهُ صمتٌ ولا طغيان، تحديدًا بعد كلّ تلك الخسائر السورية الفادحة، والأثمان الباهظة التي دفعها ويدفعُها السوريونَ، ونحنُ منهم، قرابينَ على مذبحِ الحريّة.

عامٌ مضى، خمسونَ عددًا من الملحق مع عدد اليوم، أربعمئة مادةٍ نُشرت خلالَ هذا العام، توزّعت على كتّاب من دولٍ متعددة، من سوريا والعراق وفلسطين، من مصرَ وتونس واليمن، من البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة، كلّ ذلكَ حدثَ وفقَ نيّةٍ صافيةٍ بأن يحاولَ الملحقُ تقديمَ جديدٍ يُذكرُ، أو فتحَ فسحةٍ واسعةٍ للقول، للنقد، وإيفاءً لـ «نزوةِ القصّ المباركة» حسبَ تعبير غابرييل غارسيا ماركيز.

نصحني عسّاف العسّاف، في بيروت قبل عام، أن أقترحَ على فريق العمل أخذَ الملحق باتجاهِ التدوين، باتجاه أن يكونَ مكانًا ليحكي الكُتّابُ حكاياتِهم، ليُدوِّنوا ذواكرهم، ليقُصّوا قصصهم، وبألا يذهبَ الملحقُ باتجاه المواد الجافّة، التي تُشعرُ قارئها بالسّأم وبالدونية. والحقّ، أنّ أول ما خطرَ لنا، حينَ فكّرنا في إنشاء ملحقٍ مكتوبٍ، يُنشرُ على موقعِ راديو ألوان أف أم الإلكتروني، كانَ أول ما فكرنا بهِ هو أن يكون هذا المكانُ حيّزًا لرويّ القصص التي أدّت إلى خرابِنا، كسوريين وكعرب، أي أنهُ لم يرغب تمامًا في أن يُقدّم مادةً سياسية أو ثورية شعاراتية، بقدرِ رغبتِهِ في إخبارِ سكّانِ هذا الكوكب، الذين يُتقنونَ لغتنا على الأقل، أنّنا حينَ قررنا الخروجَ عن صمتِنا، لم نقرر ذلكَ ترفًا، بل كانَ ثمّة دوافع «للخروج على الحكام»، وفي شتّى مجالات الحياة، سياسيًا، فكريًا، فنياً، أدبيًا، رياضيًا، موسيقيًا، وأخلاقيًا قبل كلّ شيء. لقد رغبَ الملحقُ أن يطرقَ هذا الباب، فهل نجح؟! ذلكَ ما لسنا قادرين على الإجابة عنه، وإن كنا نرجّحُ أنهُ لم يفعل.

تبدو مهمة كتابة افتتاحيةٍ لعدد خاصٍ بذكرى مرور سنة على انطلاقةِ الملحق، مهمةً شاقةً جدًا، بل وأكثر إرباكًا من كتابةِ أولِ مادةٍ فيهِ قبل عام. ذلكَ أننا قبلَ عامٍ كنا نستطيعُ أن نبني مادّتنا على أملِنا، على حُلمنا، وتوهمنا بالقدرةِ على تقديمِ الاستثنائيّ والجديدِ والصارم والشجاع. بينما تبدو افتتاحيةُ اليوم، بعدَ عامٍ على الانطلاقة، خاليةً من قوّة الدفعِ التي يمنحُها الأملُ والحلمُ لأي مشروعٍ في بداياته. إذ ما الذي يُمكنُ أن نقولهُ لأولئكَ الذين توسّموا خيرًا، واستبشروا جديدًا، حينَ أخبرناهم قبل عامٍ أننا سننشئ ملحقًا مكتوبًا وسيكونُ عندَ حسنِ ظنّهم؟! ما الذي يُمكنُ قوله للمخذولين؟ ثمّ هل ساهمنا، رفقةَ كلّ المؤسسات، والدول، والظروف، بزيادةِ إحباطِ ولو فردٍ واحدٍ في سوريا؟ من المُرجّحِ أننا فعلنا نعم، للأسف!

لم يكُن بالإمكانِ خلالَ عامٍ من العمل، أن يفي الملحقُ بوعوده، لمنشئيهِ على أقلّ تقدير، لم يقدم جديدًا في الصحافة السورية. لكنّهُ وتوخيًا للأمانة، وتجنبًا لجلدِ الذات، استطاعَ نشر حكاياتٍ سورية ستبقى في الذاكرة طويلًا، وسيكونُ هذا المكانُ واحدًا من المراجعِ، حينَ يُريدُ شخصٌ ما قراءةَ نصوصٍ عن ذاكرةِ السوريين، وعن حيواتِهم التي انتُهكت، وعن موتهم الذي انتُهكَ هو الآخر. وسيتذكّرُ منشئو ملحق أشكال ألوان، وقسمٌ من السوريين، أنهم ساهموا بتقديمِ أسماء جديدة، ومنحها فرصة للتعبير عن نفسها كتابةً سرديّة، اتسمت في أحايين كثيرة بالسخرية السوداء. وقد كانت النصوصُ المنشورةُ لهؤلاء الشباب أثمنَ ما قدّمهُ الملحق.

وإذا أردنا أن نوجّهَ تحيّةً لكلّ الأقلام التي صنعت الـ 400 مادة ونصاً على صفحاتِ ملحق أشكال ألوان، فإننا وقبل كلّ شيء، ينبغي علينا أن نوجّهَ تحيّة أكبر للكاتبات والكتاب اللواتي والذينَ يكتبون لنا من داخلِ سوريا بأسماء مستعارة حرصاً على سلامتهم، تحيةً لهنّ ولهم. وتحيّة بالتوازي، لكلّ الكتاب الذين أُعيدت موادُهم لهم، لأننا لم نستطع المغامرة بنشرها. لقد أعيدت تلكَ الموادُ إلى أصحابِها مع اعتذاراتٍ خجولةً، لأننا لم نستطع الالتزامَ دائماً بمقولتِنا: أكتب… وقوّي صوتك.

لقد علّمتنا الثورةَ السورية أمرًا أساسياً، هو أنّ حياة الناس أهمّ من كلّ العناوين والشعارات العريضة، أهم من الأنظمة، أهم من الدولة، ومن الثورة، ومن حرية التعبير، حياةُ الناس يجبُ أن تكونَ أولويةً تسعى كلُّ المفاهيم البشرية لخدمتها وليسَ العكس، فسامحونا.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

2 تعليقان

  1. من أصدق ما قرأت و أحسست.. شكراً أستاذ تمام لتلك اللحظة التي سنحت لنا بأن نكون في خندق واحد.. خندق الدفاعات برغم الأمل المبعثر عن حرياتنا..

  2. سوزان خواتمي

    مدري مين قال لمدري مين ” انك تبتكر قشعريرة جديدة”
    صديقي تمام
    هه الافتتاحية أكثر من رائعة فيها من التواضع والمحبة وقوة الكلمة ما يجعلها متميزة . وكل ما كتبه السوريون في هذه الفترة يبعث قشعريرة انسانية، الكتابة في وقت الأزمة ، الكتابة الحقيقية، ان لم يكن اليوم ففي مستهل الأيام .
    تحياتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*