أشكال ألوان| مناعة ذاتية قاتلة

كان الاختبار الجدّي الأول مع فيروز في دمشق، مع حفلتها بالتحديد. صديقي القادم من حلب يخرج من بيتي فجراً في الليالي الباردة ليحجز مكاناً في طابور الانتظار الطويل حتى المساء   للحصول على بطاقة. فيروز التي حلمنا سنيناً طويلة أن نسمع أغنياتها بشكل حي، ونتلمس نبض صوتها عن قرب، ها هي الآن في دمشق مرة أخرى بعد غياب طويل كنا نظنه لانهائياً. يكرر صديقي: «انتظار فيروز كما انتظار العيد، جميل ومستقل بذاته رغم التعب والإذلال التي يقترفه مسؤولو البطاقات بحق عشاق فيروز وجمهورها الوفي».

لكن لماذا لا أشعر باللهفة ولوبة الروح التي تجتاحني عادة لمثل هذه الأمور، وأحياناً لأحداثٍ أقلَّ شأناً!؟، «أصخرةٌ أنا، مالي لا تحركني هذي المُدام ولا هذي الأغاريد»!

قبل ذلك بسنوات حاولت المستحيل لأحضر العرض الخاص لفيلم نسيم الروح لعبد اللطيف عبد الحميد في سينما الشام، يومذاك افتعلنا شجاراً كاد أن ينتهي بضربنا على باب السينما من قبل حرس الصالة ومسؤولي التنظيم، قبل أن يتم السماح بدخولنا الى العرض في النهاية.

استعرتُ تلفاز جيراني القديم في المدينة الجامعية لمشاهدة مونديال فرنسا خلال شهر الامتحان، سافرتُ إلى قرية حصين البحر في طرطوس قبل امتحان تخرجي بيوم واحد لحضور تأبين سعد الله ونوس، وإحياء ذكراه مع صوت مارسيل خليفة ومسرح نضال سيجري دون أن أبالي بالامتحان.

ماذا يحدث الان!؟ لما كل هذه اللامبالاة!؟

من طول عمرها الغلاظة والعنجهية تحكم سلوك هؤلاء الموظفين الصغار، هذا السلوك الذي يشعرك أن للسلطة المقيتة وجوهاً كثيرة. كلنا نعرف أنه هذه هي العادة، وأن «سِلْو بلدنا كده» على رأي المثل المصري، ما الذي تغير الآن؟

بداية صيف عام 2000 والامتحانات بدأت، واستعداداتي على أتمها لمتابعة نهائيات كأس الأمم الأوروبية على شاشة «التلفزيون السوري»، يموت حافظ الأسد في اليوم المرتقب الذي ستنطلق فيه منافسات البطولة، لا وقت للترحم أو لعن الروح، التلفزيون السوري لن ينقل سوى آيات الذكر الحكيم ومراسم العزاء خلال الاربعين يوماً القادمة، حسناً، ما العمل الآن؟

لا بدّ من البحث عن حل سريع لمشاهدة المباريات عبر النقل الفضائي، سواء في المقاهي أو منازل الأصدقاء والأقرباء، غير أن هذه الحلول متعذرة ولا تفي بالغرض، لا مادياً ولا معنوياً، فلنتجاهلها إذن، كأنها لم تكن، ولتوضع في نقطة عمياء من الذاكرة، وليذهب زين الدين زيدان وفيغو وهاكان شوكور وألن شيرر وكلويفرت وفيليبو اينزاغي إلى الجحيم. لن أقرأ أخبار البطولة حتى، لا أريد لشغفي الكروي وحماس المحررين وصور الملاعب أن تفعل فعلها، وتعيدني إلى التحسر، لن أهتم للفرصة الاخيرة لجيل البرتغال الذهبي، جيل فيغو وروي كوستا ونونو غوميش، لن يثنيني إلحاحُ ولعي بمشاهدة إبداع زيدان ورفاقه الأبطال عن قرار المقاطعة. لا أخفيكم، حينها شعرتُ بقدرٍ من التحرر وخفة الروح جرّاء ذلك.

هنا كانت البداية، بداية وهم الانعتاق من التعلق بالأشياء والتخفف من عبء الشغف، غير أن التكلس بدأ أيضاً، وتراكمت طبقات الإسمنت، طبقة إثر طبقة في داخلي مع كلِ مناسبة فنية أو رياضية أو ثقافية تعذر عليَّ حضورها لسببٍ ما، حتى غدت حجراً يشبه في تموضعه وثقله تلك الكتلة الصمّاء التي يضعها مصنّعو الغسّالات أسفل مركزها للحفاظ على توازنها ومنعها من الحركة أثناء الدوران السريع.

لم يعد مهماً أن تغني فيروز في ساحة الأمويين، أو أن يعزف زياد الرحباني في قلعة دمشق، إن كان الظرف مناسباً سأذهب لأمسية أحمد فؤاد نجم وإلا فلا، لم يعد الغياب وعدم الحضور من ضمن الخسارات، بات الغيابُ مناسبةً أقربَ للتباهي، والانسحابُ من الفضاء العام فضيلةً، والحجر يكبر ويكبر.

الآن أمرُّ في المطارات ومحطات القطار دون أن يكشف جهازٌ ما حجري الثقيل هذا، عدا أنه ليس عند موظف الجوازات وقت كافٍ للنظر في عينيّ ليعرف أن شيئاً ما كان يشتعل في هذه العيون، وانطفأت جذوته منذ زمن طويل.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*