13669174_734394136701767_5973722043177877021_n

أشكال ألوان| لا جديد

فشلت المعارضة السورية بعد خمس سنين من الثورة، في بناء أي مؤسسات سياسية أو عسكرية أو قضائية أو خدماتية، تشكل بديلاً عن النظام، وكان ذلك إلى حدٍ ما مفهوماً، وإن لم يكن مبرراً. أما غير المفهوم، فكان عجز السوريين عن بناء منظومات إعلامية كفؤة وموثوقة تقطع مع عادة السوريين بمعرفة الخبر والتحليل الخاصين ببلدهم من الإعلام غير السوري!

قبل الثورة كان هناك كتّاب وصحفيون سوريون، من دون أن يكون هناك صحافة سورية حقيقية، ورغم ألمعية عدّة أسماء من هؤلاء، إلا أن المجال كان ضيقاً لغيرهم بالنشر!

لكنّ الحال انقلب جذرياً بعد الثورة، فلم تكتفِ المنابر الإعلامية العربية بأن تُفتحَ للكتّاب السوريين وحسب، بل تم تمويل ودعم منابر سورية خالصة، وازدهر سوق ما أطلق عليه بالـ إعلام البديل. كما كان لمواقع التواصل الاجتماعي دوراً في إبراز كتّاب شباب واعدين، وظهرت نصوص بديعة في مجالات مختلفة، ولكن هذا كله لم يؤدِّ لأي تراكم يستحق أن نُطلق عليه «ولادة إعلام سوري جديد!»، فكتّاب ما قبل الثورة، سواء الذين انحازوا لها بالمطلق، بحقها وباطلها، أو الذين اتخذوا موقفاً فاتراً منها، ووسطياً بينها وبين النظام، بقوا هم «أهل الحلّ والعقد الثقافي» إذا صح التعبير، وبقيت مساجلاتهم ومعاركهم الصحفية هي العنوان لفهم خلفية الصراع، وهي أيضاً الأكثر متابعة!

كان هذا فشلاً حقيقيّاً بالتأكيد، أن يعجز الشباب عن مجاراة الكتّاب المكرسين. ولكن الفشل الأدهى كان في محاولة التماهي لهؤلاء الشباب مع الكتّاب المذكورين في الأسلوبية والأفكار أيضاً!

فبدل المبادرة بأفكار جديدة ومواضيع جيلية تقطع مع المعارك القديمة، بادر البعض لاستئناف تلك الثارات بين حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي– المكتب السياسي، على سبيل المثال، على خلفية التباينات في مرحلة الثمانينات وما تلاها.

كانت الشعبوية أيضاً مشكلة لم يستطع إعلام الثورة تجاوزها، فالكتابة ما عادت نصاً ترسله للطباعة، وبعد النشر تقرأ بعض ردود الأفعال ضمن نفس الوسط الإعلامي، بل أضحت مسرحاً تفاعلياً عبر نشر النص على الفيسبوك وتويتر، حيث تكون ردود الأفعال سريعة وحادة عبر التعليقات، وحيث يصبح أحد مقاييس نجاح وأهمية النص عدد اللايكات وإعادة النشر أو التغريد! مما دفع كثراً للكتابة وفي ذهنهم مراضاة الجمهور المترقب والمتفاعل، وهكذا، تكررت حدّ الملل افتراضات عن انتصاراتٍ للثورة وانهيار وشيك للنظام، وساهم هذا التكرار في صناعة «فجوة خيال» بين الرغبة الشديدة في تحقيق إنجازات للثورة وبين العمل على ذلك بمنهجية.

ترافق ذلك مع ظاهرة صناعة نجوم الإعلام المرافقين للمقاتلين على الأرض، والذين أضحى لقبهم (الناشطين الإعلاميين)، فحظي هؤلاء بشعبية خارقة تقديراً لشجاعتهم ومخاطرتهم، وأضحى خطابهم الإعلامي طاغياً على أي تحليل ناقد أو متشكك في مجريات الأمور.

وإذا كانت بدايات الثورة قد عززت عند كثيرين أحلام القدرة على التأثير، فإنّ الواقع، مع مرور الزمن، كان كفيلاً بإعطاء دروس في التواضع. خصوصاً أن أغلب الكتّاب غادروا سوريا واستقروا في منافٍ قريبة أو بعيدة، تتطلب منهم تعلّم لغات جديدة وتدبر سبل عيشٍ وتأقلمٍ، تأخذ من وقتهم وجهدهم.

عندما طلب مني الصديق تمام هنيدي في الذكرى السنوية الأولى لصدور هذا الملحق أن أقوم بما دعاه «الجلد» لهذه التجربة، كوني من كتّاب العدد الأول منها، أشفقت حقيقة أن أقوم بذلك!

فإذا كانت مؤسسات عملاقة ممولة بملايين الدولارات دون مبالغة، وقادرة على استكتاب ألمع الكتّاب، ولها شبكات مراسلين متفرغين، ومع ذلك فإنها لا تنجو من مقارنتها لدى السوريين بإعلام النظام في كذبه وسماجته! فأي معنى لجلد ملحقٍ شديد التواضع بإمكانياته!؟

لم يحقق الملحق قيمة مضافة للثقافة والصحافة السورية بالتأكيد، ولكنه شكّل قيمة مضافة لبعض كتّابه بإعطائهم فرصة للكتابة للمرة الأولى، كما كان له مثل غيره لحظات جميلة استمتعنا بها بتجارب ونصوص جديدة.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*