مصعب العزّو.. عزّ الثّورة وشهيدها

قاسم البصري_ راديو ألوان:

من سراقب التي ثارت للحرّية، وثارت على الظّلم، من جدرانها العالية في الشّمال، من خضرة زيتونها، استقبل السّوريّون، أوّل أمس، أولى رسائل الدّيمقراطيّة ودولة المؤسسات التي نادت بها ثورة الكرامة، في انتخاباتٍ عامّة شارك فيها الأهالي لينتخبوا ممثّليهم لإدارتها. كانت المرّة الأولى التي ينتخب فيها السّوريّون بإرادتهم منذ خمسين سنةٍ خلت، عاشوها في دولة القهر الأسديّة، إلا أنّ التجربة الديمقراطيّة هذه لم تناسب الملثّمين الذين اقتحموها وأزالوا أعلام الكرامة من فوق سواريها، ليدوسوها بأقدامهم، من هذه المدينة الشّجاعة خرج شجاعٌ بقامة وطن، كان اسمه بالأمس “أبا الوليد”، وبات اسمه اليوم “الشهيد مصعب العزّو”.

“أبو الوليد” الذي ولد في سراقب عام 1972، رجلٌ بسيط الحال شدّته ثورة الفقراء، ليشارك فيها منذ انطلاقتها، ناشطاً وثائراً، يوثّق دمار المدينة ويرسل مداخلاته إلى وسائل الإعلام، لينقل واقع مدينته التي كان آخر كلامه عنها أنّ دمه “فداءٌ لأهلها”، كان بالفعل قد فدى أهلها بروحه حين وقف، مساء أمس، أعزلاً سوى من غصن زيتون، ذائداً عن مقرّ “جبهة ثوّار سراقب” التي طلبت فزعة أهالي “سراقب”، فكيف يمكن لمصعب ذي النّخوة ألا يفزعَ لأهل مدينته!، ويقف أمام ملثّمي “هيئة فتح الشام” قائلاً “اقتلوني قبل أن تدخلوا هذا المقر”، فقتلوه.. نعم قتلوه بدمٍ بارد، فمصعبٌ ومن مثله من العزّل المدنيّين هم الذين يخيفون الظالم، لقد خافوه فقتلوه.

20216994_1481532361931935_1752494583_n

فقر “مصعب العزّو” والد الأطفال الثّلاثة، والذي يعيش في ما يسمّى مجازاً “منزل” بغرفةٍ ومنتفعاتها، كان قد منعه من إرسال ولديه التّوأم إلى المدرسة. كان عذره قسوة الحال، والوضع المتردّي الذي أجبره على تشغيل طفليه معه في كشكٍ صغيرٍ جانب ملعب سراقب، حيثُ لعب ودرّب، وقرّر أن يعمل بجانبه أيضاً، ليُعيلَ أسرةً تعيشُ ما يعيشُ السّوريّون من ضنك.

20217387_1481083211976850_897899326_n

بكاميرا هاتفه المحمول، ومن فوق سطح داره، دأب “مصعب” على تصوير قصف الطّيران الرّوسي والأسديّ لمدينته، وبهذا الجوّال أيضاً كان يُطمئِن المغتربين عن أحول أهلهم في سراقب، وعبره كان يراسل وسائل الإعلام، رغم قلّة خبرته في المجال الإعلامي، وبرغم عدم امتلاكه لأبسط الأدوات التي يمتلكها النّاشطون، إلا أنّه كان يحاول تقديم خدمةٍ صادقة لأهله الثّائرين في سراقب، ثمّ هل يحتاج المرءُ أكثرَ من الصّدق والبساطة ليكون إعلاميّاً!.

ورغم أنّه أكثر المحتاجين للمساعدة، لم يألُ “أبو الوليد” جهداً في استقبال النّازحين من أرياف حمص وحلب ومساعدتهم،  كما كان “أخو الفقراء” يجمع التّبرعات من المغتربين والمقتدرين من أهل المدينة، ليوزّعها على المحتاجين.

الشّهداء أكبر من أن يُوصفوا، و”مصعب” الشّهيد كانت كلماته الأخيرة وحدها قادرةً على وصفه، نعم، لقد لخّصت عباراته القليلة ثورةً بأكملها، فسراقب لأهلها، وللطيّبين من كلّ مكان، وليست لحملة السّلاح القادمين إليها من مشارق الأرض ومغاربها. أمّا صديقه “بليغ سليمان”، فتُرسلُ بُحّةُ صوته وحدها ألف رسالةٍ لأبي الوليد، علّ أبلغها “يا أبا الوليد:على خطاك، وعلى ماختمتَ ماضون، رحمك الله يا أشرف الشّهداء، وأصدق الثّائرين”، فيما يراه جاره “ياسر الصّوفي” صاحب رسالةٍ حرّة، فهو “شهيد الظّلم الذي خرج متظاهراً، وعاد شهيداً”.

 

حين وردتْ الصّور الأولى ظننّاها من البيضا أوبانياس، فقد عادت ذاكرتنا صوب تلك الصّور الموجعة، شبّيحةٌ يضربون عزّلاً آمنين ويقتلونهم، لم يخطر ببالنا أن تكون من سراقب التي حرّرها أهلها منذ أعوام، وما زاد دهشتنا أنّ الجاني يحسِبُ نفسَه على ثورةِ ضحاياه. بلى.. كانت الصّور من سراقب، وكان الشّهيد “مصعب العزّو” من أولادها الذين قتلهم الأسديّون الملثّمون.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

عن NEWS

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*