A B c D E F G H

أشكال ألوان| «ليلة الانقلاب» الفاشل... ليل تركيا الطويل

وصفت الحكومة التركية منذ اللحظات الأولى للانقلاب منفذيه بـ «مجموعة متمردة» مقللة من حجمه وأهميته، وبعد أقل من ٢٤ ساعة ومباشرة بعد إعلان الحكومة نفسها عن فشل الانقلاب أطلقت حملة توقيفات وإقالات بلغت حصيلتها بعد خمسة أيام فقط 55 ألف حالة طرد وتوقيف، بحسب حصيلة لوكالة فرانس برس تستند إلى أرقام رسمية ووسائل إعلام تركية.

إن حجم التوقيفات والإقالات في الأيام القليلة التي تبعت الانقلاب الفاشل تحمل دلالات كثيرة وتطرح تساؤلات عدة يمكن الوصول منها إلى استنتاجات كثيرة، أولها التشكيك بصحة التصريحات الرسمية التركية حول حجم الانقلاب وعدد الانقلابين، فإقالة أكثر من ١٥ ألف موظف حكومي بينهم ٢٥٠ موظف في جهاز رئاسة الوزراء، و١٠٠ عنصر في المخابرات، إضافة إلى توقيف أكثر من ٢٧٠٠ قاض مدني، بينهم ١١ قاض من المحكمة الإدارية العليا، وقضاة عسكريين، وإقالة وتوقيف عشرات الضباط الكبار «بلغ عدد الموقوفين 9 آلاف موقوفاً»، إشارات إلى أن الانقلاب لم يكن من تنفيذ «مجموعة محدودة»، أو على الأقل أردوغان وحكومته لا يرون الأمر كذلك رغم أنهم ادعوا العكس.

أو، وهذا احتمال آخر وقابل لنقاش، وهو أن أردوغان الذي نجح إلى حد بعيد في ضعضعة وصاية الجيش على الدولة خلال العقد الماضي، يحاول في الأيام الماضية، والأيام الطويلة القادمة استثمار «ليلة الانقلاب» الفاشل ليعيد هيكلة الدولة بأقصى سرعة ليحقق مطامحه التسلطية وتأسيس دولة بوليسية وتحويل البلد إلى النظام الرئاسي مطلق السلطة بقيادته.

ويبدو الاحتمال الأخير أكثر منطقية، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار الفعالية الفائقة للأجهزة الأمنية في تنفيذ «عملية التطهير» حسب التعبير الرسمي، فحجم الاعتقالات يدعو للاعتقاد بأنه كانت هناك نية مبيتة لدى أردوغان للتخلص من الآلاف الذين قد يعارضون سياساته ويعرقلون طموحاته، والأرقام الضخمة ـوالتي تصدر عن إدراة أردوغان نفسه ـ  تشير إلى عمل استخباراتي طويل وضخم يذكر بآليات عمل الدولة البوليسية حول المواطنين الأتراك، نتج عن هذا العمل قوائم جاهزة بأسماء عشرات آلاف الأشخاص وعناوينهم بانتظار أوامر الاعتقال، ما يجعلنا نميل لفكرة أن عملية تغيير وجه الدولة التركية التي نعرفها اليوم كان يتم التحضير لها على خطين موازيين، الأول، سياسي دستوري من خلال البرلمان ومؤسسة الرئاسة والحكومة، والثاني على المستوى الأمني بانتظار اللحظة المناسبة، أو (اللحظة المفاجئة/ الانقلاب المناسب) أو ما يشبهها.

ومواضع ضربات الجهاز الأمني تفيد بأن أردوغان يعمل على الاستيلاء الكامل على ثلاث قطاعات هامة جدا هي الجيش، الذي ينتظر أن تنتهي حملة الاعتقالات الواسعة في صفوف العسكريين إلى تهميش عدد كبير من الجنرالات وضعضعة قوته وتماسكه، بعد قطع الرؤوس الكبيرة التي يمكن أن تعارض أردوغان، وصولاً إلى ضمان ولاء الجيش وتقليص المسافة بينه وبين كرسي الرئاسة ما يوسع هامش المناورة في مواجهة المؤسسات الأخرى في الدولة.

خصوصاً إذا تم تطويع القضاء الذي يتعرض حاليا لضربات موجعة بدوره، سعياً إلى إلحاقه بالإرادة السياسية الواقعة تحت سيطرة أردوغان لحد بعيد بقوة صناديق الاقتراع منذ أكثر من عقد.

وأخيراً، تطال حملة التوقيفات والعزل والإقالة القطاع الأخطر، رغم الاستخفاف الذي يؤخذ به عادة، وهو قطاع التعليم والقطاع الأكاديمي، هذان القطاعان اللذان بالإضافة إلى الإعلام تتيح السيطرة عليهما وتطويعهما على المدى الطويل برمجة عقول المواطنين بطريقة تسهل قيادتهم واصطفافهم خلف إيدولوجيات أو عناوين معينة، ما يعني تسهيل صناعة المناخ العام والتحكم بالرأي.

وليس خفيًا على أحد أن أيدولوجيا حزب «العدالة والتنمية» الإسلامية تناهض منذ بدايات الحزب أحد أهم أسس الجمهورية التركية الحديثة، أي العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وبدا جليا على مدار السنوات القليلة الماضية عداء  أردوغان وحزبه للديمقراطية والحريات من خلال محاصرة شبكات التواصل الاجتماعي ومحاولة إسكات الأصوات التي تنتقده بل وصل به الضيق بالنقد وبالآراء المخالفة إلى محاولة إسكات شاعر ألماني في بلده بعد أن هجاه عبر أحد قنوات التلفزة.

إن كل الاستنتاجات السابقة لا تخفى على الاتراك أنفسهم بالطبع، وخصوصاص الأحزاب السياسية المعارضة لأرودوغان، وبعضها (إذا أحسنّا النوايا ) تعارض أردوغان لهذه الأسباب تحديداً (ضيق صدر الرجل بالقيم العلمانية والديمقراطية والحريات)، ووقوف هذه الأحزاب بوجه الانقلاب وتضامنها مع منصب الرئيس ومؤسسة الرئاسة في الأيام الأخيرة هو ـ على الأغلب ـ من باب حماية قيم الدولة التركية الحديثة التي يسعى الرئيس نفسه (السلطان أردوغان) لنسفها.

إلا أن دعم هذه الأحزاب لكرسي الرئاسة كتعبير عن إرادة جماهيرية تترجمها صناديق الاقتراع سيصطدم بالضرورة، حسب السيناريو الذي نراه من الخارج، مع نفس الأحزاب المعارضة وشريحة واسعة من الاتراك الذين نزلوا إلى الشارع دفاعًا عن الديمقراطية وانتصاراً للدولة ومؤسساتها وليس أردوغان كما يريد أن يترجم الأخير الاستجابة لندائه عبر تطبيق سكايب أثناء الانقلاب.

فالناس نزلت إلى الشارع دفاعاً عن مبدأ المداولة المدنية السياسية السلمية للسلطة، وبالأدوات الديمقراطية، فالدعم من قبل جمهور لا يمكن تقديره، ولكن يمكن الافتراض أنه كبير إضافة إلى جنرالات كبار في الجيش، لا يعني بأي حال من الأحوال أن المطلوب شعبيًا استمرار أردوغان في الحكم وتثبيت ديكتاتوريته كما يريد هوَ نفسهُ للجميع أن يتوهم.

فأردوغان يستثمر «ليلة الانقلاب» القصيرة ليُغرق تركيا في ليلٍ طويل، مستثمرًا وقوف أطياف مختلفة من الشعب التركي إلى جانب الدولة المدنية، ممثلةً بشخص الرئيس، ليتصرف كما لو أنه حصل على تفويض شعبي لتقويض الدولة التركية مستنداً إلى عدة نقاط أهمها عدم رغبة الأتراك بالمرور بتجربة انقلابية أخرى، فهو يشعر بأن  الشعب ومؤسسات الدولة فوضته لأن ينفذ انقلابه الخاص، وانقلاب حزبه الإسلامي المحافظ بالمعايير التركية على الدولة التركية نفسها، مسبباً ـ في حال لم يتم إيقافه بطريقة سلمية ـ عطباً وتلفاً عميقين في هذه الدولة قد يكافئ ما كان للانقلاب أن يتسببه لو نجح.

الوسوم

التعليقات

تابعنا على   +