A B c D E F G H

أشكال ألوان| السوريون يصعدون إلى السماء

كلمةٌ شهيرةٌ لكارل ماركس، وهو يُعظم من فعل ثوار كومونة باريس، وأن كل أنظمة أوروبا تكالبت عليهم لإسقاط السلطة العمالية الأولى في العالم؛ حيث يقول: إنهم يصعدون إلى السماء. ثوار سورية أيضاً صعدوا إلى السماء وهم يواجهون الديكتاتورية، ويثورون لخمس سنوات متتالية، ولم يتركوا طريقة ديمقراطية وحضارية وسلمية واحتفالية إلا ومارسوها، ولكن كل ذلك لم يجد نفعاً!.

قالوا للأب ألا يكفيك أن ثلاثة من أولادك استشهدوا! احتار الأب، وأطرق رأسه، ولم يجد إجابة على السؤال؛ الحقيقة أن من رأى الذين صعدوا إلى السماء لم يعد يُحب البقاء على قيد الحياة، ربما لم يفكر الأب كما آلاف الآباء بهذا الجواب، ولكن شباب سورية يفكرون على هذا النحو وليس سواه، طبعاً هناك مواقف شتى أخرى، وقد فعلها البعض، ولكنها ليست اختيارية كاللجوء أو ترك الثورة والعودة إلى أحضان الوطن، وسوى ذلك، وكلها خيارات إجبارية وإكراهية.

لم تُسقطْ النظام يوتوبيا الصعود تلك. وعكس ذلك فتحت القبور القديمة واستحدثت جديدة أيضاً، وهناك من دفن في الحدائق ومن لم تعرف له جثة! السوريون الثائرون يدفنون موتاهم الحالمين بصمت، وربما بصياح وببكاءٍ مقتضب. النظام تماسك، وهجّر ملايين السوريين، مدن دمرت، عائلات أبيدت، واعتقل الآلاف، وتدخلت كل عصابات العالم وجيوشه في سورية.

من رجِّ بوابات السماء بقوةٍ إلى التشظي الكامل، فقد ارتفعت الرايات السوداء بدلاً من اليوتوبيا، وتدخلت كل جيوش العالم بدلاً من أن يصبح الجيش السوري لحماية الحدود، وبدلاً من مدنٍ عامرةٍ بالحريات والنقاش والتنسيقيات والمجالس المحلية حلّت الفصائل السلفية والجهادية وما تبقى من فصائل وطنية محلية مكسورة الحياض. سورية الآن تناقش وبقوة الهويات الدينية لسكانها في المدن الكبرى والصغرى والقرى، وهناك نقاش صداميٌّ بين قوميات سورية، ودون الاهتداءِ لهوية واحدة تجمع السوريين. كان الفساد يخص النظام فإذا به ينخر بمؤسسات المعارضة، منظمات المجتمع المدني أيضاً تتعرض للمساءلة.

غير ذلك، هناك أزمة اقتصادية مُخيفة تُعَرضُ أغلبية السوريين لمشكلات اجتماعية وليس أقلها بيع الجسد من أجل الطعام؛ ليست بسيطة هذه القضية، وترتفع أعداد المنخرطين في هذه الأعمال؛ تصنف المنظومة الأخلاقية والدينية القائمين بها في دائرة الشاذين والمنحطين، متجاهلين كل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع لتشكيل هكذا ظواهر، وهنا المأساة.

الآن تقريباً توقفت بوابات الهجرة الواسعة، وهناك تحالفات جديدة كالمصالحة الروسية التركية والعلاقات القوية بين الروس والإسرائيليين والخلافات الروسية الإيرانية والتقارب التركي الأمريكي، وقد تؤثر على مستقبل سورية، وقد تستأنف لقاءات جنيف، وهناك تسريبات جديدة عن مجلس عسكري، وبالتالي ربما يلوح أفقٌ جديدٌ، ينهي مأساة العصر، مأساتنا.

روح الصعود إلى السماء لم تنتهِ بعد، ورغم ما ذكرناه من «احتلالات» للمدن والمناطق المحررة، ورغم آلاف الشهداء والمهجرين والجيوش المتعاظمة والمليشيات الطائفية، فإن الروح ذاتها سرعان ما تعود للبروز، فتجربة معرة النعمان تدلل على ذلك، وهناك عشرات المحاولات لإخراج الجهاديين والسلفيين واستعادة الثورة لذاتها، وهي ولأنها ثورة، فإنها تعرضت لكل أشكال التكالب عليها، وهي في ذلك تشبه الكومونة، والتي أتت بجديدٍ لم يكن ممكناً التفكير فيه برجوازياً؛ الجديد السوري لو نجح بحمولاته 2011 و2012 ربما لعب دوراً مركزياً في كل العالم العربي وغير العربي. فسحق التنسيقيات والمجالس المحلية والفصائل العسكرية الوطنية كان هدفاً للنظام وتحالفاته وكذلك لكل تدخل إقليمي ودولي.

واقعياً ومنطقياً، حدثت تغيرات كبرى في مكونات الثورة السورية، ولكن روح الثورة ما زالت قوية، وهذا ما يُخيف الدول المتحالفة مع النظام وضده! وهو ما يفترض العمل عليه سوريّاً. مشكلتنا الحقيقية هنا، فلدينا رداءة دور المعارضة بكل تنويعاتها، وعدم قدرة الثورة على إنتاج قيادة تمثلها وبرنامج يطرح أهدافها، وتوظيف الجهادية والسلفية من أجل دحر الثورة ومنع انتصارها وفق أهدافها في الحرية والكرامة، أي تحقيق نظام ديمقراطي مستند لمبدأ المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

لن نخوض طويلاً في مشكلات الثورة، فالأهم ملاحظة التحالفات الجديدة وإمكانية الأفق الجديد، هذه النقطة تفترض العمل من أجل مشروع الثورة ذاته، وتمكين المواطنين من التعبير عن أنفسهم، وإعادة العمل بما أنتجته الثورة ذاتها، وتخليصه من كل تبعية للخارج ومهما كان شكلها، وتوظيف الخارج من  أجل مشروع الثورة ذاته، نعم توظيفه من أجل الثورة وليس العكس؛ ليست القضية سهلة بعد كل ما حدث من موت واعتقال وتهجير وتغرّب، ولكنه الطريق الوحيد القادر على استعادة دور للسوريين في تقرير مصيرهم فعلاً.

هناك تقييم يقول بأن الثورة سحقت وهزمت، وبالتالي لم يعد للسوريين من دور، ومن صعد إلى السماء كان مجرد حالم ولروحه السلام، وأن الممكن ما سيكتبه سياسيو الدول الإقليمية والامبريالية وسيكون الأمر برعاية القيصر الروسي؛ هذا الكلام ليس خاطئاً في كليته، ولكن فيه من الخطأ الكثير... فمشكلة الروس والأمريكان بخصوص سورية ليست فقط قضايا إقليمية وعالمية، بل وقضية أن هناك سوريين ثائرين ولم ينتهوا بعد، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية هناك مصالح إقليمية تفترض حلاً إقليماً ودولياً، وبالتالي ما زال هناك دور للسوريين، وليس استمرار الضغط حصراً على وفد الرياض وعدم استبداله بوفد موسكو أو القاهرة أو حميميم سوى مظهر من مظاهر تأثير الدور السوري؛ صحيح أن هناك انتقادات كثيرة لوفد الرياض ولكن إبقاء دور سياسي له في أي حل سياسي يؤكد فكرتنا السابقة.

إذن! هناك أسباب عديدة لعودة الكلام عن حلٍّ سياسيٍّ جديٍّ، وهذا الأمر سيكون حتماً ليس لصالح الثورة كما تريد وليس لصالح النظام كما يريد، ولكن الواقع الجديد التالي للحل سيسمح باستئناف جديد لروح الثورة؛ إذاً الكلام عن هزيمة الثورة ليس صحيحاً، وستجدد ذاتها بشكل أكبر مما حدث مع تطبيق الهدنة واندلاع المظاهرات أو كما يحدث في معرة النعمان وسواها، والتي هي مواجهات ضد كل أشكال التكالب عليها.

من صعد إلى السماء لم يكن مخطئاً وإن كانت أحلام الثوار لا تتحقق كما تشتهي السفن.

الوسوم

التعليقات

تابعنا على   +